في بلدٍ اعتاد أن يأكل أبناءه كلّما اقتربوا من إنجازٍ، لم يكن مستغرباً أن تُنصَب المشانق الإلكترونية لسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض قبل أن يجفّ حبرُ الخبر الذي نشرته هيئة البث الإسرائيلية مساء الأحد، ومفاده أنها اتصلت بنظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر متضامنةً معه بعد إصابة ابنه، الجنديّ في جيش الاحتلال، في عملية دهسٍ في الضفة الغربية. خبرٌ واحد، مصدره إعلام العدو، تلقّفته منصّاتٌ لا تصدّق إسرائيل في شيءٍ إلا حين تمنحها سكّيناً تغرزه في ظهر الدولة اللبنانية. وهنا تكمن الإشكالية التي لا يجوز الهروب منها: هل نحاسب الدبلوماسيّ على ما فعل، أم على ما يُنسَب إليه؟ ومتى يتحوّل النقد، وهو حقٌّ مقدّس في كل جمهورية، إلى اغتيالٍ معنويّ ممنهج غايته ليست الحقيقة بل كسرُ الصوت الواحد الذي بدأت الدولة تتكلّم به للمرة الأولى منذ عقود؟ لم تأتِ ندى حمادة معوّض من دهاليز المحاصصة، ولا من صالونات الزعامات التي توزّع السفارات كما توزّع الغنائم. جاءت ابنةُ بعقلين الشوفية من عالمٍ لا تعيش فيه الكذبة أكثر من جدول حسابات: من الأمم المتحدة حيث عملت على برامج التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى البنك الدولي حيث بلغت موقع كبيرة الاقتصاديين والمديرة في نيابة الرئاسة لاقتصاديات التنمية، تقود ملفات شفافية الديون واستدامتها، وتفاوض الحكومات والمؤسسات المتعددة الأطراف على أزمات الغذاء وغلاء المعيشة، ثم إلى القطاع الخاص حيث شاركت في تأسيس واحدة من أكبر المنصّات الصحية على الساحل الشرقي الأميركي. هذه ليست سيرة امرأة تبحث عن لقب، بل سيرة من تعلّمت أن التفاوض علمٌ بالأرقام قبل أن يكون فنّاً بالكلمات، وأن الدولة التي لا تعرف ماذا تملك لا تعرف ماذا تطلب. وحين تسلّمت مهامها في واشنطن عام 2025، تسلّمت أصعب سفارة في أصعب عاصمة في أصعب لحظة من تاريخ الجمهورية. ولعلّ الذين يهاجمونها اليوم نسوا، أو تناسَوا، أن المرأة جلست في الرابع عشر من نيسان 2026 في وزارة الخارجية الأميركية، في أول لقاءٍ مباشر بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1983، لا بصفتها الشخصية، بل مكلّفةً من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، أي من السلطة الدستورية الشرعية التي تملك وحدها، بحكم الدستور لا بحكم السلاح، قرار التفاوض والسلم والحرب. يومها أيضاً اشتغلت ماكينة الفبركة، فانتشرت صورٌ مزوّرة لمصافحةٍ لم تحصل، إلى أن نفت الوكالة الوطنية للإعلام وقوعها جملةً وتفصيلاً، وتبيّن أن السفيرة التزمت الضوابط الدبلوماسية ولم تبادر إلى أي مصافحة. وفي الصورة التذكارية التي أرادها كثيرون دليلاً على «التطبيع»، وقفت حيث يفرض البروتوكول أن تقف، بلا ابتسامة مجانية، بلا إيماءة زائدة، بلا ما يمكن أن يُقرأ ودّاً. ذلك أن الدبلوماسية ليست فنّ الكلام فحسب، بل فنّ ما لا يُقال وما لا يُفعَل؛ والشكلُ فيها ليس قشرة المضمون، بل هو المضمون وقد صار مرئياً. ثم جاءت لحظة التوقيع على الإطار الثلاثي في حزيران، وهي اللحظة التي كان ينبغي أن تُغلق أفواه المشكّكين إلى الأبد. وقف السفير الإسرائيلي أمام الكاميرات، وأمام وزير الخارجية ماركو روبيو، واعترف بأنها كانت مفاوِضةً صعبة المراس، وقال لها بالحرف: «تقاتلين كلبوة». لم يكن ذلك مديحاً مجانياً من خصمٍ مهذّب، بل كان إقراراً من الطرف الآخر بأن الطاولة لم تكن نزهة، وأن لبنان لم يأتِ ليوقّع ما يُملى عليه. فماذا فعلت ندى معوّض؟ لم تردّ التحية بمثلها، ولم تبادله المجاملة بمجاملة، ولم تلتقط الطُّعم. شكرت رئيس جمهوريتها ورئيس حكومتها والدولة المضيفة، وعرّفت الاتفاق بأنه خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية ووحدة الأرض، ووقفٍ دائم ونهائي للأعمال العدائية، وعودة الناس إلى أرضهم. كان صمتها حيال مديحه جملةً كاملة في لغة الدبلوماسية، تقول: أنت خصمي على هذه الطاولة، وقد جئتُ لأنتزع حقّ بلدي منك، لا لأتبادل معك الأوسمة. أما الوصف الذي يليق بها، فلن نأخذه من فم خصمها. وليست هذه المدرسة غريبة عن لبنان ولا عن تاريخ الدبلوماسية. فحين وقف غسان تويني في مجلس الأمن عام 1978 صارخاً «دعوا شعبي يعيش»، لم يكن يستجدي عطف إسرائيل، بل كان يحاصرها بالشرعية الدولية حتى وُلد القرار 425 الذي ظلّ اثنين وعشرين عاماً، حتى التحرير عام 2000، السلاحَ القانوني الأمضى في يد الدولة. وحين جلس لي دوك تو قبالة هنري كيسنجر في باريس سنواتٍ طويلة، لم يمنحه تنازلاً مجانياً واحداً، ثم رفض جائزة نوبل للسلام لأن السلام في رأيه لم يكن قد اكتمل. وحين خاض نبيل العربي وفريق مصر القانوني معركة التحكيم على طابا، استعادوا الأرض بالوثيقة والخريطة والحجة، لا بالبيانات النارية ولا بالصواريخ العابرة للمنابر. هؤلاء جميعاً جلسوا مع العدو، وفاوضوه، ووقّعوا معه، ولم يخن أحدٌ منهم بلده؛ بل خانه أولئك الذين أرادوا للحرب أن تبقى