لم تصدر ( Grand Theft Auto VI) بعد، ومع ذلك وجدت طريقها إلى قوائم الأكثر مشاهدة على نتفليكس. والمفارقة أن ما يشاهده الجمهور ليس فيلماً ولا مسلسلاً، ولا حتى اللعبة نفسها، بل نحو 27 دقيقة من مشاهدها الجديدة. في 27 آب/ اغسطس، اختارت (Rockstar Games) منصة نتفليكس لتقديم "Grand Theft Auto VI: An Extended look"، قبل إتاحته لاحقاً عبر قنواتها الرسمية. وسرعان ما دخل العرض قوائم الأعمال الأكثر مشاهدة على المنصة في عدد من الدول. فكيف استطاعت 27 دقيقة من لعبة لم تصدر بعد أن تتحول إلى حدث ينافس الأفلام والمسلسلات على منصة صُنعت أساساً لمشاهدتها؟ قد يكون جزءاً من الإجابة في رقم واحد: 13 عاماً. صدرت "GTA V" عام 2013، ومنذ ذلك الحين لم تقدّم السلسلة جزءاً رئيسياً جديداً. لكن اللعبة لم تختفِ خلال تلك السنوات، بل واصلت حياتها عبر "GTA Online" وإصداراتها على أجيال متعاقبة من أجهزة الألعاب، فيما تحوّل انتظار الجزء السادس إلى ظاهرة قائمة بذاتها. وهذا تحديداً ما جعل 27 دقيقة كافية لصناعة حدث. لكنّ طول الانتظار ليس السبب الوحيد وراء كل هذه الضجة. فما ظهر حتى الآن يشير إلى أن "GTA VI" تريد أن تقدّم عالماً أكبر وأكثر تفصيلاً من سابقتها. تترك اللعبة Los Santos، مسرح أحداث GTA V، وتعود إلى Vice City، ضمن ولاية Leonida الخيالية المستوحاة من فلوريدا. ويمتد عالمها بين المدينة والشواطئ والجزر والمستنقعات والمناطق الريفية. وتشير تقديرات وانطباعات متداولة إلى أن الخريطة قد تكون أكبر بكثير من خريطة GTA V ، حتى إن البعض يقدّرها بنحو الضعف، لكن "Rockstar" لم تعلن حتى الآن مقارنة رسمية لحجم الخريطتين. والاختلاف لا يتوقف عند المساحة. فبعد ثلاثة أبطال تناوب اللاعب بينهم فيGTA V، تتمحور القصة الجديدة حول شخصيتين، Jason Duval وLucia Caminos، تجمعهما علاقة عاطفية وشراكة في الجريمة، لتصبح علاقتهما نفسها جزءاً أساسياً من الحكاية. ورغم وجود بطلين، فإن القصة الأساسية تبقى تجربة فردية Single Player. أما العالم من حولهما، فيبدو أكثر كثافة وتفاعلاً، مع مجموعة واسعة من الأماكن والأنشطة والتفاصيل التي تحاول من خلالها "Rockstar" جعل Vice City مدينة لا يمر اللاعب فيها فحسب، بل يعيش داخلها. بعد 13 عاماً، إذاً، لا تراهن " “Rockstar" على عالم أكبر وحسب، بل على عالم يبدو أكثر حياة. كان بإمكان "Rockstar Games" أن تفعل ما اعتادت شركات الألعاب فعله: أن تنشر العرض الجديد على يوتيوب وتترك الإنترنت يتكفّل بالباقي. لكنها هذه المرة اختارت نتفليكس، وقدّمت المادة الجديدة هناك أولاً قبل نشرها لاحقاً عبر منصاتها الرسمية. الاختيار في ذاته يقول شيئاً عن المكان الذي وصلت إليه صناعة الألعاب. فنحن لا نتحدث عن إطلاق اللعبة، بل عن عرض لمشاهد منها، ومع ذلك عومِل الحدث بطريقة تقترب من العرض الأول لفيلم منتظر. نتفليكس نفسها وصفت إعلانات "Grand Theft Auto" بأنها أصبحت "لحظات ثقافية"، في إشارة إلى أن ما يحدث حول اللعبة تجاوز منذ زمن جمهور اللاعبين وحدهم. وهنا ربما تكمن الدلالة الأهم في التجربة: الحدود التي كانت تفصل السينما والتلفزيون وألعاب الفيديو لم تعد واضحة كما كانت. ما يحدث مع "GTA VI" يكشف الكثير عن ثقافة الـHype المعاصرة. لم يعد ضرورياً انتظار العمل نفسه كي يبدأ الحدث. قبل أشهر من موعد الإطلاق، كانت دقائق من المشاهد الجديدة كافية لإعادة اللعبة إلى صدارة النقاش على الإنترنت والوصول بها إلى جمهور نتفليكس. وهنا يصبح السؤال أكبر من نجاح حملة تسويقية: ماذا يعني أن يختار الجمهور مشاهدة مادة ترويجية طويلة للعبة بالطريقة نفسها التي يختار بها فيلماً أو حلقة من مسلسل؟ ربما يعني ببساطة أن GTA تجاوزت منذ زمن تعريف "لعبة فيديو". لقد أصبحت منتجاً من منتجات الثقافة الشعبية، ينتظر الجمهور عالمه وشخصياته وقصصه كما ينتظر أعمال السينما والتلفزيون الكبرى. في 19 تشرين الثاني، يُفترض أن تصل GTA VI إلى PlayStation 5 وXbox Series X|S. وعندها فقط سيتمكن الجمهور أخيراً من لعب العمل الذي أمضى سنوات في انتظاره والحديث عنه. لكن تجربة نتفليكس كشفت شيئاً قبل ذلك الموعد: الطريقة التي نستهلك بها الترفيه نفسها تتغيّر. السينما تستعير من الألعاب، والألعاب تقترب أكثر من اللغة السينمائية، ومنصات البث تبحث عن مكان لها بين الاثنين. أما "GTA VI"، فقد نجحت قبل أن تصل إلى أجهزة اللاعبين في إنجاز ربما لا يقل إثارة للاهتمام عن أرقام مبيعاتها المقبلة: جعلت انتظار اللعبة نفسه جزءاً من العرض.