بعد نحو 3 سنوات من الحرب، وتصفية معظم القيادة العليا لحركة حماس، وإلحاق أضرار واسعة بجناحها العسكري وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، تبرز في قطاع غزة فجوة متزايدة بين الإنجاز العسكري الإسرائيلي وبين القدرة على حسم مسألة الحكم. فالجيش الإسرائيلي ألحق بالحركة ضربة غير مسبوقة، لكن غياب خطة سياسية واضحة لـ"اليوم التالي" حال دون إيجاد بديل قادر على أن يحل مكانها، لتبقى حماس لاعبًا مركزيًا في القطاع وطرفًا حاضرًا في الاتصالات التي تبحث مستقبله. وبحسب تقرير للصحافيين رون كريسي وعيناف حلبي في موقع "واي نت" الإسرائيلي، لم تنجح إسرائيل، في ظل غياب جهة أخرى تتولى بصورة كاملة مسؤولية السكان والخدمات المدنية والنظام العام، في إخراج الحركة التي خاضت الحرب ضدها من معادلة الحكم في غزة، بل أصبحت حماس اليوم أيضًا عنوانًا تتواصل معه جهات تسعى إلى رسم مستقبل القطاع. ووفق وكالة "رويترز"، جندت حماس منذ اندلاع الحرب بين 10 آلاف و15 ألف عنصر جديد، فيما تؤكد المعطيات المتراكمة أن آليات الحركة المدنية والعسكرية لم تتوقف بالكامل عن العمل رغم الضربات التي تعرضت لها. وخلال جولة ميدانية أجراها اليوم في قطاع غزة، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير: "نحن نطبق الدروس، وقد غيّرنا المفهوم، والجيش الإسرائيلي لن يعود إلى 6 تشرين الأول". وأضاف: "الجيش الإسرائيلي لن يتخلى في غزة عن الهدف الأعلى، وهو نزع سلاح القطاع وتجريد حماس من سلاحها، بكل الوسائل المطلوبة"، مؤكدًا: "نواصل العمل بصورة منهجية من أجل إلحاق ضرر متواصل بحماس وقيادتها في كل مكان، بما في ذلك حملة مستمرة لمنع إعادة تعاظم قدراتها". إلا أن التحذير من الوضع الحالي لم يبدأ اليوم. ففي آذار 2024، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت، خلال اجتماع للمجلس الوزاري، من تداعيات عدم حسم مسألة "اليوم التالي". وقال غالانت للوزراء في حينه: "إذا لم نخلق بديلًا للحكم في القطاع، فلن نُسقط حماس". وطرح غالانت 4 بدائل وصفها بأنها "سيئة"، لكن النقاش تحول إلى مواجهة بعدما اتهمه وزراء بالسعي إلى إعادة السلطة الفلسطينية، من دون أن يقدم الذين هاجموا هذا الخيار في الاجتماع نفسه حلًا بديلًا. وسرعان ما وصل النقاش بشأن هوية الجهة البديلة إلى طريق مسدود. فقد رفض رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مرارًا احتمال عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم غزة، مشددًا على أن القطاع، من وجهة نظره، لن يتحول إلى "حماستان" ولا إلى "فتحستان". وفي الوقت نفسه، طُرحت أفكار أخرى على امتداد الحرب، من بينها الاعتماد على جهات محلية داخل القطاع، وصولًا إلى إنشاء آليات مدنية بمساعدة أطراف عربية ودولية، لكن أيًا منها لم يتحول لفترة طويلة إلى نظام حكم فعلي يستطيع تسلم السيطرة من حماس. وهكذا نشأت مشكلة رافقت إسرائيل طوال الحرب: كان بإمكان الجيش الإسرائيلي دخول منطقة ما وتفكيك الكتائب وتصفية القادة وتدمير البنية التحتية، لكن بعد خروج القوات بقي سؤال السيطرة المدنية مفتوحًا. ومن دون جهة أخرى قادرة على دخول تلك المناطق وإدارتها سياسيًا ومدنيًا، لم يكن إضعاف حماس عسكريًا كافيًا لضمان اختفاء مؤسساتها. ومع استمرار الحرب، تصاعدت التحذيرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن غياب البديل سيؤدي إلى تآكل الإنجازات التي تحققت ميدانيًا، لأن حماس قادرة على العودة إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش وإعادة تشغيل مؤسساتها المدنية. وقال مسؤولون أمنيون في كانون الأول 2024: "غياب التعامل مع اليوم التالي في غزة سيعيدنا إلى 6 تشرين الأول". وأضافوا: "في غياب البديل، لن يكون هناك مفر من عودة حكم حماس. يجب اتخاذ قرار الآن. حتى في صفقة صغيرة، ستعود حماس إلى السيطرة الكاملة. إذا لم يُتخذ القرار، فنحن نهدر إنجازات الحرب ولا نحقق أحد أهدافها، وهو إسقاط حماس". كما قال دبلوماسيون غربيون في تلك المرحلة إن حماس تمكنت من إعادة بناء جزء كبير من قدراتها على إدارة الشؤون المدنية في بعض مناطق القطاع. وبذلك، اتسعت الفجوة بين جزأين من الهدف الإسرائيلي. فمن جهة، تلقت حماس ضربة قاسية كتنظيم عسكري، لكن من جهة أخرى ثبت أن انتزاع صفتها كمنظومة حكم أكثر تعقيدًا بكثير. فعلى مدى نحو عقدين، بنت الحركة في غزة أجهزة للحكم والشرطة وجباية الضرائب والخدمة العامة، ومن دون جسم آخر يحل مكان هذه المؤسسات، لم يؤد إضعاف الجناح العسكري وحده إلى تفكيك البنية الحاكمة. كما أن المحاولات اللاحقة لإيجاد حلول خارج إطار السلطة الفلسطينية لم تنتج حتى الآن بديلًا مستقرًا. فقد حاولت إسرائيل الدفع بجهات محلية ومجموعات مسلحة للعمل ضد حماس في مناطق معينة، إلا أن هذه الجهات لم تتطور إلى سلطة بديلة قادرة على إدارة القطاع. وهكذا، وبعد نحو 3 سنوات على أحداث 7 تشرين الأول، برزت مفارقة واضحة: إسرائيل نجحت في إضعاف