ثمة لحظة في تاريخ الدول يصبح فيها السؤال أكبر من قدرة الحكومات على المناورة، وأقسى من لغة البيانات الدبلوماسية. ويبدو أن لبنان يقترب من هذه اللحظة: هل يبقى أسير معادلة دولية أثبتت محدوديتها، أم يطلب بنفسه انتقال الملف اللبناني إلى مرحلة جديدة، عنوانها تنفيذ قرارات مجلس الأمن بالقوة تحت الفصل السابع؟ المسألة ليست في وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان بحد ذاته، ولا في تحميل اليونيفيل مسؤولية ما يتجاوز تفويضها. المسألة الأعمق هي أن لبنان، منذ صدور القرار 425 عام 1978 وصولاً إلى القرارين 1559 عام 2004 و1701 عام 2006، لم ينجح في تحويل القرارات الدولية إلى سلطة فعلية للدولة على كامل أراضيها. فالقرار 425 لم يكن مجرد دعوة سياسية. لقد دعا إلى احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، وإلى انسحاب القوات الإسرائيلية، وإلى مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. وعلى هذا الأساس أُنشئت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد عقود هو: ماذا بقي من الهدف الأصلي؟ من 425 إلى 1559: قرارات تتراكم وسلطة تتراجع جاء القرار 1559 عام 2004 ليضع الإصبع على جرح أعمق: سيادة لبنان، انسحاب القوات الأجنبية، حلّ ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية. ثم جاء القرار 1701 عام 2006 ليعيد تأكيد هذه المبادئ في أعقاب حرب تموز، داعياً إلى وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب، ومنع إدخال الأسلحة والمعدات العسكرية إلى لبنان من دون موافقة الحكومة اللبنانية، وتعزيز قوة اليونيفيل. لكن بين نص القرار وواقع لبنان نشأت فجوة هائلة. كان لبنان الرسمي، في مراحل مختلفة، واقعاً تحت تأثير الوصاية السورية، ثم تحت نفوذ إيراني متزايد عبر حزب الله. وهكذا لم تكن المشكلة في غياب القرارات الدولية، بل في غياب القدرة السياسية اللبنانية على تنفيذها، وغياب الإرادة الدولية الحاسمة لفرض تنفيذها عندما عجزت الدولة اللبنانية عن ذلك. ففي الوقت الذي كانت فيه القرارات الدولية تطالب ببسط سلطة الدولة ونزع سلاح الميليشيات، كانت البنية العسكرية لحزب الله تتوسع سياسياً وعسكرياً. وما كان يُبنى فوق الأرض من نفوذ سياسي وأمني وعسكري، كان يُبنى تحته أيضاً من بنية تحتية وأنفاق ومواقع عسكرية. وهذا لا يعني أن اليونيفيل كانت تملك تفويضاً مفتوحاً لتفكيك حزب الله أو شن عمليات عسكرية مستقلة، بل على العكس، فإن تقييم أداء القوة يجب أن ينطلق من التفويض الذي منحها إياه مجلس الأمن والقيود التي واجهتها على الأرض. لكن النتيجة السياسية بقيت واحدة: السلاح غير الشرعي لم يُنزع، وسلطة الدولة لم تصبح كاملة، والقرار 1701 لم يُنفذ بصورة كاملة. وتؤكد تقارير الأمين العام للأمم المتحدة الحديثة أن تنفيذ القرار 1701 ظل يشهد انتهاكات ومخاوف مستمرة. ففي تقرير آذار 2026، تحدثت الأمم المتحدة عن استمرار هشاشة الوضع، وعن الحاجة إلى استكمال بسط سيطرة الدولة اللبنانية على الجنوب ونزع السلاح غير المصرح به. اليونيفيل: شاهد على الأزمة أم ضحية لتفويضها؟ من السهل القول إن اليونيفيل كانت «شاهدة زور». لكن التعبير الأدق هو أنها أصبحت، على مدى عقود، شاهدة على عجز النظام الدولي عن تحويل القرارات إلى واقع سياسي وأمني مستدام. فاليونيفيل لم تُنشأ لتحل محل الدولة اللبنانية، ولم تكن جيشاً دولياً يحكم الجنوب. وظيفتها الأساسية كانت مرتبطة بقرارات مجلس الأمن وبالتعاون مع السلطات اللبنانية. ومع ذلك، فإن الحروب المتكررة أثبتت أن وجود قوة حفظ سلام من دون قدرة سياسية وعسكرية كافية على فرض شروط السلام لا يكفي لمنع إعادة بناء أسباب الحرب. والأخطر أن القرار 2790 الذي صدر في آب 2025 جعل التمديد الأخير لولاية اليونيفيل ينتهي في 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي ومنظم خلال عام. وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن تبقى المعادلة القديمة؟ لبنان يريد جيشاً قوياً، ويريد مساعدة دولية للجيش، ويريد حماية الجنوب، ويريد تطبيق القرارات الدولية، ويريد في الوقت نفسه الحفاظ على صيغة لا تمنح المجتمع الدولي سلطة تنفيذية كافية عندما تعجز الدولة عن التنفيذ. لكن هذه المعادلة تبدو متناقضة. إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على تنفيذ القرار 1701، فلماذا بقيت المشكلة قائمة طوال هذه السنوات؟ وإذا كانت غير قادرة، فهل كان يكفي تمديد مهمة قوات دولية لم تنجح، أو استقدام قوات متعددة الجنسيات، كما يطرح الرئيس عون والحكومة، لتقوم بنفس الدور الذي قامت به اليونيفيل، في ظل القيود السياسية والميدانية لإنهاء أسباب النزاع؟ إن لبنان أمام خيارين واضحين: إما أن يمتلك هو القدرة والإرادة لتنفيذ قرارات مجلس