لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة مخصصة للمتخصصين في التكنولوجيا، بل بات يدخل تدريجاً في تفاصيل العمل والتعليم والخدمات وحتى المهام اليومية. وفي لبنان، حيث تتسارع الحاجة إلى تطوير المهارات الرقمية، تطرح مبادرة جديدة سؤالاً حول قدرة التدريب الواسع النطاق على تحويل استخدام الذكاء الاصطناعي من تجربة فردية إلى مهارة متاحة لشريحة أوسع من المجتمع. في هذا السياق، أطلقت الإمارات ولبنان مبادرة "مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي"، التي تستهدف تمكين مليون لبناني من اكتساب مهارات أساسية وعملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر، ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي وبالتعاون مع الحكومة اللبنانية. ولا تقتصر المبادرة على تعريف المشاركين بمفهوم الذكاء الاصطناعي، بل تركز على مهارات التعامل المباشر مع أدواته، ولا سيما كيفية صياغة التعليمات وتوجيه النماذج للحصول على نتائج أكثر دقة وفعالية. وهي مهارة أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام، تطوير الأفكار، وتحسين أساليب العمل. تُعدّ هندسة الأوامر من المهارات الأساسية في التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تساعد المستخدم على صياغة طلباته بطريقة أكثر وضوحاً وتحديداً، بما يرفع فرص الحصول على مخرجات مناسبة للمهمة المطلوبة. وتستهدف المبادرة فئات مختلفة من المجتمع اللبناني، بغضّ النظر عن العمر أو الخبرة أو طبيعة العمل، في محاولة لتوسيع دائرة المستفيدين من المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وعدم حصرها بالعاملين في القطاعات التقنية. الاستناد إلى تجارب إماراتية سابقة في السياق، يرى الدكتور هاني الغانم، المختص بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات - الإمارات، في تصريح لـ"النهار"، أن مبادرة "مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي" تمثل خطوة عملية لبناء المهارات الرقمية، خصوصاً أنها تستند إلى تجارب إماراتية سابقة في هذا المجال، مثل مبادرتي مليون مبرمج عربي ومليون خبير لأوامر الذكاء الاصطناعي. ويشير الغانم إلى أن القيمة الفعلية للمبادرة تكمن في قدرة المشاركين على تحويل المعرفة المكتسبة إلى تطبيقات ومشاريع وفرص عمل، معتبراً أن ربط التدريب باحتياجات الشركات والسوق يمكن أن ينعكس على الاقتصاد الرقمي اللبناني من خلال رفع الإنتاجية، وتوسيع فرص العمل عن بُعد، ودعم الشركات الناشئة، وزيادة تصدير الخدمات الرقمية والتقنية. واعتبر أن المبادرة تعكس أيضاً انتقال التعاون الإماراتي-اللبناني نحو الاستثمار في رأس المال البشري ونقل المعرفة، فيما قد تمتد نتائجها إلى المنطقة من خلال المشاريع والأفكار والابتكارات التي يمكن أن تنتجها قاعدة واسعة من الكفاءات اللبنانية في مجال الذكاء الاصطناعي. الإعلان عن مبادرة تدريب مليون لبناني على مهارات الذكاء الاصطناعي. (الصورة: @UAEmediaoffice / X) أُعلنت المبادرة خلال اجتماع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتأتي ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي، الذي يركز على نقل الخبرات والتجارب الإماراتية وبناء شراكات مع حكومات ودول أخرى في مجالات تطوير القدرات البشرية والمؤسسية. وبالنسبة إلى لبنان، تضع المبادرة مهارات الذكاء الاصطناعي ضمن مسار أوسع للتحول الرقمي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى كوادر قادرة على استخدام التقنيات الجديدة، لا فقط في قطاع التكنولوجيا، بل في الإعلام والتعليم والإدارة والأعمال وغيرها من المجالات. ويبقى التحدّي الأساسي في جعل المعرفة قابلة للاستخدام، خصوصاً أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي مرتبطة أيضاً بفهم حدود هذه الأدوات، والتحقق من نتائجها، والتعامل مع مخاطر الأخطاء والمعلومات المضللة والخصوصية.