تجتاح الزلازل مدناً بأسرها فتُنهيها، تلتهم النيران مساحات واسعة من كثرة غضبها، تُفني النيازك حضارات وثقافات عدّة، لكنَّ أفظع الكوارث وأشدّها ظلماً ما يرتكبه مُتحرّش ببراءة طفل، مراهق أم بالغ، فيقتلع أمانه رويداً رويداً. حين تأتي الطعنة القاتلة من قريب أودعه ثقته أو من غريبٍ استغلَّ ضعفه وضياعه، فإنَّ الوجع يتضاعف ليتسلّل مثقلاً بشعور الذنب والانطواء المرير، تُترك معه الضحية وحدها لتُصارع عتمة "المحظور" في معركةٍ خفيّة تحرق العمر بالخفاء. تُؤكّد أحدث بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض "CDC" أنَّ واحداً من كلّ عشرة شباب من الـ Gen Z (المولودين تقريباً بين عامَي 1997 و2012) يُعاني العنف العاطفي أو الجنسي، ما يُثبت أنَّ هذه المأساة ليست مجرّد حالات فرديّة عابرة وهي أزمات تُغذّيها وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بيئة خصبة للمضايقات الرّقمية، الابتزاز العاطفي، تطبيع ثقافة التحرّش والإكراه بين الجيل الحالي. في كثير من الأحيان، يطرح البعض تساؤلات محمّلة باللّوم عمّا إذا كان تجمّد الفرد أو مسايرته للموقف بدلاً من قول “لا”، يعني الموافقة. توضح الاختصاصية في علم النفس والإرشاد المدرسي، كريستينا الحاموش، أنَّ “الإجابة العلمية والنفسية حاسمة وقطعيّة: لا وألف لا، فهذا لا يدل أبداً إلى أنَّه كان موافقاً". وتشرح أنَّ “الشعور العارم بالضعف أمام خصم يفوقه قوّةً جسدية ونفسيّة يدفعه لا إرادياً إلى محاولة مسايرة الأمور مؤقّتاً كاستراتيجية دفاعيّة ذكية تهدف إلى تخفيف هول الأذى وتجنّب تفاقم الخطر، قبل أن يستجمع لاحقاً طاقته الداخلية لوقف ما يحدث. قد تلتزم الضحية الصمت خوفاً من عدم تصديقها، ثمَّ تدخل في دوامة “جلد الذات” لِتُحمّل ذاتها مسؤوليّة ما حدث، فيما يظلّ الأمر مسكوتاً عنه". اضطرابات الهوية وغياب الاكتفاء الذاتي يُخلّف تكرار التعرّض للتحرّش آثاراً نفسية عميقة تمسّ ثقة الضحية بذاتها وتُعرقل قدرتها على تجاوز الصدمة. المتحرّش يختار الضحية التالية (Pexels) تشرح الحاموش أنَّ “الآثار النفسية قد تمتد لتطال الكيان والمشاعر حيث يختبر بعض الأشخاص تحوّلاً في ميولهم الجنسية فيفقدون الرغبة بالجنس الآخر نتيجة الوهلة العميقة وفقدان الإحساس بالأمان تجاه العالم ومن حولهم. علاوةً على ذلك، قد يستغرق استعادة الضحايا للثقة بالآخرين وقتاً طويلاً، فحتى بعد الزواج قد تستمر آثار الصدمة لتنعكس على الاستقرار العاطفي، الحياة الزوجية وتعدّد العلاقات". غالباً ما يشغل المتحرّش كلّ حواسه فيستخدم لغة جسد متكاملة تماماً كالمفترس الذي يستهدف فريسته. لذلك، قد لا يبوح الشخص بما تعرّض له، غير أنَّ الجسد والنفس يُطلقان إنذارات واضحة. من أبرز العلامات التي تستوجب انتباه الأهل: التغيّرات السلوكية والعادات اليومية: انقلاب جذري ومفاجئ في طباع المراهق وعاداته اليومية، مع اضطرابات حادّة في الشهية وصولاً إلى الشراهة المفرطة. الوسواس الحركي: ظهور حركات متكرّرة لا إراديّة، تردّد مفرط ووسواسي إلى دور الحمام، إضافةً إلى غسل اليدين مراراً. الأعراض الجسدية: ظهور عوارض حادّة تشمل الخوف، القلق، اضطرابات التنفّس، سرعة ضربات القلب والشعور بالغثيان والقيء. الانهيار النفسي: إذا كانت الضحية تفتقر إلى السند العائلي الداعم، فإنَّ ذلك قد يُغرقها في دوامة من الاكتئاب السريري. الوعي المتنامي وأهميّة التربية الجنسية ترى الحاموش أنَّ “الفترة الراهنة تشهد بصيص أمل مع وجود وعي أكبر بكثير مقارنةً بالأجيال السابقة، فَـ “Gen z” يبدو أكثر صلابة وقدرة على المواجهة”. يفرض هذا الواقع مقاربة تربوية واعية تبدأ منذ الطفولة المبكرة، عبر احترام رفض الطفل للتقبيل أو المصافحة حتى مع الأقارب وتعليمه منذ الصغر التمييز بين اللّمسة الجيّدة والسيّئة، كما الانتباه إلى لغة الجسد، النظرات ومحاولات العزل، مع الإشارة إلى أنَّه يبدأ بتمييز الوجوه الغريبة منذ نحو سبعة أشهر. دور الأهل والمدرسة في الحماية الميدانيّة والوقاية لا يجوز إلقاء عبء التوعية بأكمله على المدارس بحجّة انشغال الأهل أو اعتبار الموضوع "تابو" اجتماعياً، بل ينبغي أن تنطلق من داخل الأسرة عبر قنوات حوار مفتوحة وشفافة، فيتولّى الأب محاورة ابنه وتتولّى الأم ابنتها لترسيخ أواصر الثقة والتفاهم المطلق. تدعو الحاموش المدارس والجامعات إلى "ضرورة توفير مرشدين ومعالجين نفسيين دائمين، كما يُفضّل وجود أكثر من مرشد لمتابعة التلاميذ ومراقبة الأجواء عن كثب". لا ترى مانعاً من "إجراء اختبارات نفسيّة دوريّة، سواء كانت عشوائية أو شاملة، انطلاقاً من قناعة بأنَّ الصحة النفسية لا تقلّ أهميّة عن تلك الجسدية". تخلص إلى أنَّ "التربية السليمة إلى جانب الالتزام الروحي والديني، تُسهم في بناء شخصيّة متوازنة وقويّة قادرة على مواجهة التحدّيات والتعامل معها". بات تحر