تشكّل النزاعات والاحتجاجات المتعلقة بحقوق السكن والأرض والملكية، واحدة من أكبر التهديدات للاستقرار الاجتماعي والتعافي الاقتصادي في أدبيات دراسات الدول الخارجة من نزاع، وتتطلب معالجات مصممة خصيصاً لتفكيك العُقد المتراكمة والموروثة من العهود السابقة، بحيث تكون الأولوية لبناء الثقة بالقانون وبمؤسسات الدولة التي تنفّذه. في سوريا، تتجدد من حين لآخر، الاحتجاجات والتوترات المرتبطة بهذا الملف المعقّد. آخرها، احتجاجات أهالي من ريف دمشق (قدسيا، معضمية الشام، دمر) ضد مشاريع استثمارية سكنية مثل "شام فيو" و"أبيات هيلز"، المقامين على أراضٍ مستملكة بموجب قوانين نظام الأسد البائد. قبل ذلك، كانت الاحتجاجات بخصوص مشروع "ماروتا سيتي" بالمزة، ومشروع إعمار جوبر والقابون، التي تحولت إلى حراك منظّم. واليوم يدخل مشروع جديد "خليج داريا" بريف دمشق، إلى دائرة الجدل، وسط غموض تفاصيله ونسب توزيع الحصص للمالكين والمستثمرين والمحافظة. تُغلِّب السلطات الحكومية المعنية هدف إعادة الإعمار في معالجة هذا الملف المُعقّد، وهو أمر مفهوم لجهة حجم الدمار والنزوح والضغط على السكن البديل عبر الإيجارات والحاجة لبناء مجتمعات سكنية منظّمة، لا ترك إعادة الإعمار لفوضى البناء العشوائي الخالي من أية ضوابط هندسية وتخطيطية وبيئية سليمة متناسبة مع معايير الاستدامة. لكن في الوقت نفسه، يتضارب التعجّل في تفكيك هذا الملف مع مقدار تعقيده وحساسيته للأهالي، الذين يحملون إرثاً من عدم الثقة بمؤسسات الدولة وقوانينها، والتي كانت في عهد النظام البائد، المسؤولة المباشرة عن سلب ملكياتهم أو التعامل بخفّة مع حقوق السكن الخاصة بهم. في ذلك العهد، كانت أداة "الدولة" القسر الأمني، لتنفيذ مشاريع استملاك وتنظيم عمراني، لا تتفق جميعها –بل معظمها- مع المصلحة العامة، بقدر ما كانت تتفق مع أهداف إعادة التوزيع الديمغرافي التي تخدم هدف النظام لضمان استقراره. وكي لا ننسب كل عُقد هذا الملف إلى عهد حكم آل الأسد، تجدر الإشارة إلى الإرث العائد وصولاً إلى الحقبة العثمانية، والمرتبط بسيولة انتقال الملكية من دون توثيق قانوني. لكن تفكيك هذا التعقيد يجب أن يبدأ من أقرب تطوراته، وهي القوانين الصادرة عن نظام الأسد في مرحلة ما بعد العام 2011. ومن ثم العودة إلى الوراء حتى ما بعد عام 1970. ولتوضيح حجم هذا الملف، يمكن الإشارة لبعض الأرقام والنسب الصادرة عن تقييمات أممية أو بحثية سابقة، من قبيل تعرّض نحو 31% من المخزون السكني في سوريا للضرر أو الدمار بعد 2011، ونزوح نحو نصف سكان سوريا أو تهجيرهم قسرياً، إلى جانب فقدان نحو ربع اللاجئين والنازحين العائدين لوثائق ملكية (طابو أخضر). وتذهب تقديرات في بعض المناطق إلى أن نحو 75% من المجتمعات المحلية فقدت سندات الملكية نتيجة احتراق السجلات العقارية أو تلفها. نضيف لذلك عمليات البيع العرفية غير الرسمية والتزوير أو حتى البيع القسري، مع تورط شخصيات من النظام السابق بكثير من هذه النشاطات، وفرارهم اليوم خارج البلاد، بصورة تعقّد الحل مع وجود مشترٍ "حسن النيّة" في كثير من الحالات. وإن عدنا إلى الوراء أكثر، نجد تبعات قرارات الاستملاك الصادرة قبل 2011، والتي بُرِرت بهدف "النفع العام"، لكنها لم تقدم التعويض المناسب لمن سُلبت ملكياتهم، حينها. توضح الأمثلة السابقة جوانب من تعقيدات هذا الملف، ويظهر مقدار تهديده للاستقرار الاجتماعي في تكرار الاحتجاجات وامتدادها إلى مناطق أخرى في ريف دمشق منذ مطلع العام الجاري، ناهيك عن التحذيرات المستقاة من تجارب الدول الخارجة من النزاع، المتعلقة بإلحاح تفكيك هكذا ملف، عبر مسار مخصص، يجب فيه تغليب بناء الثقة بالقانون ومؤسسات الدولة التي تنفّذه، على هدف إعادة الإعمار بصورة سريعة، لأن تحقيق بناء الثقة هو ما يوفّر استدامة الاستقرار، ويقطع مع العهد السابق الذي كانت فيه "الدولة" جهة غير موثوقة يفكر معظم السوريين بسبل التحايل كي لا يتم الالتقاء معها ومع قوانينها. وهي وصفة لانفجار مؤجّل. كان قد حدث عام 2011، بالفعل. تقدّم تجارب الدول الخارجة من نزاع، بعض الأمثلة الناجحة على معالجة عُقد هذا الملف، كما في البوسنة والهرسك وكولومبيا، وحتى في العراق. كتشكيل لجنة متخصصة بمطالبات العقارات للنازحين واللاجئين كجسم مستقل عن السلطات الرسمية، وإنشاء محاكم متخصصة برد الأراضي والملكيات منفصلة عن الجسم القضائي التقليدي البطيء والمتخم بقضايا متنوعة المواضيع، وإعادة النظر بقرارات الاستملاك الحكومية ومعالجة كل قرار منها بناء على أغراض استصداره في وقته، فإن كانت سياسية تُلغى وتُفكك آثارها، وإن كانت لخدمة المنفعة العامة فعلاً، يُنظر في قضية التعويض. لا تخرج الحالة السورية عن دائرة هذه التجارب والدروس المستفادة منها. مما يتطلب تصميم معالجة خاصة لهذه القضية، بدءاً بتجميد كل المشاريع ال