يعتبر انفتاح الرواية العربية على عالم الكوميكس أمراً جديداً، ونستطيع أن نقول إنه لم يختبر بعد من حيث قبوله عربياً، على غرار ما هو حادث في الغرب، لكن يبدو أن البدايات مشجعة. ويندرج ضمن تلك البدايات قيام فنان القصص المصورة الفرنسي توماس آزويلوس، باستلهام رواية "اللجنة" للروائي المصري صنع الله إبراهيم، وتحويلها إلى كوميكس، ثم أصدرت دار "نول" المصرية عمله هذا مترجماً إلى العربية قبل نحو خمس سنوات. وتبنت دار "ديوان" في القاهرة أخيراً مشروعاً لتحويل روايات نجيب محفوظ إلى كوميكس، ثم أقدمت على نشر الطبعة المصرية لرواية طارق إمام "بات مان – حلوان" بالتعاون مع منشورات "تكوين"، وهي رواية تعتمد في متنها رسوم مازن محمد التي تجمل طابع الكوميكس باعتبارها عنصراً أساسياً في العمل الذي جاء في نحو 600 صفحة من القطع فوق الوسط، وتولّت فيه لبنى إمام مهمة مونتاج الكوميكس. وفي سياق متصل، أصدرت "ديوان"، قبل أيام بالمشاركة مع دار "المحروسة"، الترجمة الفرنسية لرواية "ميرامار" المصوَّرة، بترجمة فيكتور سلامة، ودعم من المعهد الفرنسي، ضمن برنامج "كتب الضفتين" Livres des deux rives. والنسخ العربية كتب السيناريو الخاص بها محمد إسماعيل أمين ومحمد سرساوي، ورسمها الفنانون سلمى زكريا وميجو وجمال قبطان وحسين محمد. يقول المدير التنفيذي ومدير النشر في "ديوان" الروائي أحمد القرملاوي لـ"النهار" إن الهدف من تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى "كوميكس"، هو جذب قراء مختلفين إلى عالم صاحب "أولاد حارتنا". ويضيف أن هذا الجمهور المستهدف غير معتاد، غالباً، على قراءة الأعمال الكلاسيكية بلغتها وباستطراداتها وفي قالبها الأصلي. هو جمهور يحب أن يتفاعل مع العمل الأدبي عبر وسيط آخر، مثلما أن هناك من يحبون مشاهدة أفلام ومسلسلات وربما مسرحيات مأخوذة عن أعمال لنجيب محفوظ، لكنهم لا يقرأون تلك الأعمال. هناك جمهور في العالم العربي مخلص جداً لهذا النوع من المزج بين الكلمة والصورة، وهو ليس من حديثي السن أو المراهقين كما قد يعتقد. لدينا جمهور واسع للكوميكس في كل الأعمار، وبالطبع سيكون لديه فضول للاطلاع على عالم نجيب محفوظ ويتفاعل معه ولكن من خلال الوسيط الذي يحبه ويستمتع به. ويرى القرملاوي في هذا الصدد أن السوق العربي مقصر في إنتاج هذا النوع من الروايات المصورة، ولذلك بدأنا بنجيب محفوظ لمكانته الراسخة ولنضمن عدم المخاطرة قدر الإمكان. ويضيف القرملاوي: "رواية طارق إمام تجربة مختلفة، فهي لكاتب يحب أن يجرب ويغامر. وأنا شخصياً سبق أن قمت بمغامرة في روايتي "الأحد عشر" بأن أفسحت فيها مساحة كبيرة لقالب المسرح. أما طارق إمام فقد مزج الكوميكس بالرواية، وهذا له ما يبرره فنياً؛ لأن باتمان قادم أصلاً من عالم الكوميكس". رواية الكوميكس (منشورات تكوين وديوان) ولكن إلى أي مدى يمكن أن يتحمس الروائيون العرب إلى مثل تجربة تحويل أعمال لهم إلى "كوميكس؟ تقول الروائية اللبنانية علوية صبح لـ"النهار": "إذا تلقيتُ مثل هذا العرض فسأوافق عليه. إن تحويل الأعمال الروائية إلى كوميكس هو بمثابة عمل فني مواز للرواية يصل بها إلى المتلقي بطريقة مغايرة للمعتاد. المهم هو كيف يتحول ويحافظ في الوقت نفسه على القيمة الفنية للعمل الأصلي". ويرى الروائي المصري علي قطب الذي أصدر أخيراً رواية "البند السادس" متضمنة مساحة من رسوم "الأنمي" المرتبطة عضوياً بموضوعها، أن الرواية فن لا يغلق أبوابه أمام الفنون والأشكال السردية الأخرى، وقد استفادت الرواية الحديثة كثيراً من الكوميكس والأنمي، ليس فقط على مستوى الصورة، الأمر تجاوز ذلك إلى بناء المشهد نفسه، وسرعة الانتقال، وتقطيع الأحداث، وتكوين الشخصيات والعوالم. وفي المقابل، استفادت هذه الفنون نفسها من الرواية، فوجدت فيها مادة غنية يمكن تحويلها إلى صورة وحركة وإيقاع. فكل وسيط يملك أدواته الخاصة التي يمكن أن توسع إمكانات السرد. من هنا – يضيف قطب - يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها بوابة سردية واسعة، تستطيع أن تستوعب داخلها الرسم والمقالة والشعر والقصة القصيرة والرسائل واليوميات والوثائق، وحتى أشكالاً من الكتابة تبدو للوهلة الأولى بعيدة من الرواية، ما دامت تدخل في النسيج العام للحكاية وتؤدي وظيفة سردية أو جمالية واضحة حتى يشعر القارئ أن هذه العناصر خرجت من الحكاية نفسها، وليست إضافات أُلصقت بها من الخارج. لذلك – يقول قطب - لا أرى مستقبل الرواية في الانغلاق على شكل تقليدي، لكن دائماً على كاتبها أن يسأل عن الشكل الذي تحتاجه الحكاية كي تُروى بأفضل طريقة ممكنة. وهذا ما حاول قطب أن يفعله في «البند السادس»: "لم أتعامل مع الرواية باعتبارها نصاً يجب أن يسير في مسار سردي واحد، اعتبرتها مساحة يمكن أن تتجاور فيها طرائق مختلفة للحكي. فهناك لحظات تحتاج إلى المشهد، وأخرى تحتاج إلى التأمل والفكرة، وثالثة يمكن أن تس