كتب الرئيس المؤسس لتجمع رجال الأعمال اللبنانيين ـ الفرنسيين: رجل في السجن من دون حكم، ومودعون ينتظرون أن يتمكنوا من التصرف بأموالهم. قبل ثلاث سنوات، وفي هذه الزاوية نفسها، رأيتُ من المناسب أن أقول إنه إذا كان هو سبب كل مآسينا، فلا بد من تفعيل القضاء ومحاكمته. تولّى رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان من عام 1993 إلى عام 2023. وهو ينتمي، من جهة أخرى، إلى عائلة ميسورة، وعمل مصرفياً لدى «ميريل لينش». وقد صرّح عند تولّيه منصبه في لبنان بأن ثروته تبلغ 23 مليون دولار، وهي ثمرة إرثه ومسيرته المهنية. وشملت ولايته الطويلة سنوات عديدة من الاستقرار النقدي، في ظروف بالغة الصعوبة، قبل أن يشهد النظام المالي انهياره. ولا بد من فحص القرارات التي اتُّخذت في عهده، ووضعها أيضاً في سياقها المؤسسي والسياسي، ضمن نظام أدّت فيه الدولة والحكومات المتعاقبة ومجلس النواب ووزارة المالية ومصرف لبنان والمصارف، جميعها، أدواراً في الانهيار العام الذي أصاب البلاد. اليوم، هناك رجل في السجن من دون أن يكون قد أُدين. يبلغ هذا الرجل 76 عاماً. ومنذ 31 تموز 2026، يُحتجز رياض سلامة في إطار إجراء قضائي جديد يتناول عمليات مرتبطة ببنك عودة. وقد أثار فريق الدفاع وضعه الصحي ونقله المتكرر بين السجن والمستشفى. وكان قد أمضى قبل ذلك نحو ثلاثة عشر شهراً قيد التوقيف، قبل إخلاء سبيله في أيلول 2025، لقاء كفالة بلغت 14 مليون دولار. لم يتهرّب من مسؤولياته، ولم يفرّ من العدالة، ولا يزال يواجه القضية، مدركاً تماماً ما كانت تفرضه عليه مهامه من واجبات مهنية وإنسانية. لكن هذا الرجل، الذي يعاني مرضاً خطيراً، قد يرحل في أي لحظة. وينبغي أخيراً التعبير عن القلق من هذا الاحتمال بجدية، من دون تهويل أو استغلال حزبي. فإذا توفي رياض سلامة، لا سمح الله، فما مصير ملف الودائع الشائك، الذي يواجه خطراً حقيقياً بأن يُطوى ويُدفن؟ إنه سؤال مشروع قد يطرحه أي شخص. وللفهم، يكفي النظر إلى المحاكمات الجارية. ما يحقّق فيه القضاء اليوم هو عمليات نُفّذت عبر أربع شركات أوفشور وهمية في جزر كايمان، وتتعلق باختلاس مزعوم لمبلغ 154 مليون دولار عام 2010 و102 مليون دولار عام 2012، لمصلحة بنك عودة. لكن التطور الجوهري في القضية هو أن الجهة المدّعية بالحق الشخصي نفسها، أي مصرف لبنان، أكدت صراحة أن القرض الممنوح لبنك عودة عام 2010 وافق عليه المجلس المركزي، ولم يكن نتيجة قرار شخصي اتخذه الحاكم. ويُقال إن القرض المذكور سُدّد بالكامل عام 2012 مع فائدة بلغت 5%، محققاً إيرادات بقيمة 33 مليون دولار. كما أن قرضاً ثانياً يعود إلى عام 2014 سُدّد، بدوره، عام 2016 مع فائدة بلغت 6.5%. ويؤكد مصرف لبنان نفسه أنه لم يتكبّد أي خسارة مالية نتيجة هذين القرضين. وهكذا، يُلاحَق حاكم مصرف لبنان السابق على خلفية مبالغ تبلغ بضع مئات من ملايين الدولارات، فيما تتكبّد البلاد خسائر تتراوح بين 70 و80 مليار دولار. وهذه الأرقام الأخيرة هي التي تثقل كفة الميزان، وتشكل جوهر ما تسميه الحكومة «الفجوة المالية» (GAP). ويتحدث تقرير «ألفاريز آند مارسال» عن خسائر تتجاوز 76 مليار دولار، جرى إخفاؤها عبر إدراج أصول وهمية في الميزانية. وتقدّر الدولة اللبنانية نفسها حجم الفجوة بنحو 70 مليار دولار منذ عام 2022، فيما تتحدث قانون الفجوة المالية الجديد عن 80 مليار دولار ناجمة عن اقتراض الحكومات المتعاقبة من المصرف المركزي. كيف نشأت هذه الفجوة؟ عبر الهندسات المالية، أي عمليات مقايضة السيولة بين المصارف ومصرف لبنان. فقد كان مصرف لبنان يستبدل سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بسندات اليوروبوندز بالدولار. وفي عام 2019، ومع غياب المشترين، اضطر إلى الاكتتاب بنفسه بأكثر من 75% من السندات بالدولار، وبـ92% من سندات الخزينة. هل كان في وسع الحاكم السابق الاعتراض على هذه العمليات المالية ورفضها؟ ينص القانون على أن مصرف لبنان لا يستطيع تمويل الدولة إلا في حالة الضرورة القصوى. لكن المصرف، في الواقع، كان يُدار من دون رقابة فعلية من المجلس المركزي. ونعلم جيداً أن نظام تعيين أعضاء المجلس في هذه المناصب يخضع لمعايير التمثيل السياسي، ما قد يؤدي أحياناً إلى تساهل بعضهم في التعامل مع أشكال معينة من العمليات المالية. ومع ذلك، لا بد في هذا السياق من التذكير بحدثين جرى التعتيم عليهما حتى الآن. ففي تشرين الأول 2019، أعلن مصرف لبنان أن لديه 30 مليار دولار من الاحتياطات القابلة للاستخدام. ومع ذلك، لم يُقرّ أي قانون لضبط حركة رؤوس الأموال. فتمكّن الأكثر اطلاعاً من إخراج أموالهم، فيما بقيت أموال الآخرين عالقة. ثم، في 7 آذار 2020، أعلن لبنان للمرة الأولى في تاريخه التخلف عن سداد 1.2 مليار دولار من سندات اليوروبوندز. وبلغ إجمالي الدين 92 مليار دولار، أي ما يعادل 170% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان