مساء 27 أيلول 1986، كانت جثث لا تزال ممدّدة في محيط ساحة ساسين. وصف مراسل صحيفة "لوموند" رجلاً يزيل الزجاج المتناثر عن رصيفه، متجنباً جثة أمامه. وفي شوارع الأشرفية وأقبيتها، استمر البحث طوال الليل عن مسلحين دخلوا المنطقة خلال النهار. كانت المعركة توشك على الانتهاء، لكن فصلها الأكثر غموضاً لم يكن قد بدأ بعد. تعود جذور ذلك اليوم إلى انقسام داخل "القوات اللبنانية". ففي كانون الأول 1985، وقّع قائدها آنذاك إيلي حبيقة اتفاقاً سياسياً رعته سوريا مع نبيه بري ووليد جنبلاط، عُرف باسم "الاتفاق الثلاثي". رفضه سمير جعجع وأطراف مسيحية أخرى، وتصاعد الخلاف إلى مواجهة مسلحة انتهت، في 15 كانون الثاني 1986، بإطاحة حبيقة من قيادة "القوات" وخروجه من المنطقة الشرقية. لكن حبيقة لم يتخلّ عن فكرة العودة. في السبت 27 أيلول، حاول أنصاره تنفيذ تلك العودة بالسلاح. عبر مقاتلون موالون له خط التماس الفاصل بين بيروت الغربية والشرقية، فيما تحرّكت مجموعات مؤيدة له داخل المنطقة الشرقية. ودارت معارك في محيط السوديكو والأشرفية، وصولاً إلى ساحة ساسين. كان الهدف انتزاع السيطرة من "القوات اللبنانية" التي بات يقودها جعجع. كانت الخطة تراهن، وفق شهادة لاحقة لأسعد شفتري، الذي كان في صف حبيقة، على مساندة مجموعات من الداخل وعلى عدم تدخل الجيش. لكن مقاتلي جعجع اشتبكوا مع المهاجمين، ثم تدخل الجيش اللبناني وأغلق الثغرات على خط التماس، ففشلت محاولة الاقتحام. احتمى سكان بالملاجئ والأقبية، وتضررت مبانٍ ومتاجر وسيارات. ومع تراجع المهاجمين، استمر التفتيش عن مجموعات اختبأت في المنطقة. وأعلنت "القوات اللبنانية" استسلام آخر مجموعة فجر الأحد 28 أيلول. وفق حصيلة للشرطة نقلتها وكالة "أسوشيتد برس"، خلّفت المعركة التي استمرت نحو 24 ساعة 62 قتيلاً و198 جريحاً. وشمل عدد القتلى 25 من أنصار حبيقة، و27 من مقاتلي قوات جعجع، و3 عسكريين، إضافة إلى 7 سقطوا في تبادل القصف عبر خط التماس. إنها حصيلة القتال، ولا تحسم عدد من قُتلوا بعد توقفه. فما جرى للمقاتلين الذين أُسروا أو اعتُقلوا لاحقاً فتح ملفاً آخر. في تقريرها السنوي لعام 1987، قالت منظمة العفو الدولية إنها تلقت تقارير عن اعتقال نحو 250 من أنصار حبيقة واختفائهم عقب العملية. ثم سجّلت اكتشاف 67 جثة في قبر جماعي قرب جونية في 10 تشرين الأول، وانتشال 30 جثة أخرى من البحر في وقت لاحق. لم تُنشر هويات أصحاب هذه الجثث، وقالت المنظمة إنه كان يُعتقد أنهم من المعتقلين لدى "القوات اللبنانية". لذلك لا يمكن الجزم بهوياتهم، أو جمع عددهم تلقائياً مع قتلى المعركة باعتبارهم ضحايا إضافيين ثبتت أسماؤهم. وترد تفاصيل أشد قسوة في تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية، الذي استند إلى شهادة المقاتلة السابقة في "القوات اللبنانية" ريجينا سنيفر. وبحسب الشهادة، جمع رجال موالون لجعجع أنصاراً لحبيقة بعد استسلامهم، وقتلوا بعضهم في مكانهم، فيما جُرّ آخرون بالسيارات في الأشرفية، وأُلقي بعضهم في البحر بعد ربطهم بصخور. يوثّق التقرير هذه الرواية بوصفها شهادة عن ارتكابات منسوبة إلى عناصر القوة التي كان جعجع يقودها؛ لكنه لا يثبت صدور أمر شخصي منه بتنفيذ عمليات التصفية. ولم ينتهِ القلق على المعتقلين بانتهاء عام 1986. ففي تقريرها التالي، ذكرت "العفو الدولية" أن بعض المشتبه بتأييدهم حبيقة احتُجزوا لأشهر في مراكز بالكرنتينا وجبيل وثكنة أدونيس في جونية. وبحلول نهاية آب 1987، كان قد أُفرج عن 21 من أصل 49 شخصاً عُرفت أسماؤهم، وعُرف أن 5 آخرين لا يزالون محتجزين، فيما ظل مصير الباقين مجهولاً للمنظمة في ذلك الوقت. ولا يعني الإبلاغ عن اعتقال نحو 250 شخصاً أنهم قُتلوا جميعاً. بعد 40 عاماً، لا تختصر واقعة 27 أيلول في فشل إيلي حبيقة بالعودة إلى الأشرفية، ولا في انتصار سمير جعجع عليه. إنها أيضاً قصة اقتتال بين رجال كانوا رفاقاً في تنظيم واحد، ثم اعتقالات وشهادات عن تصفيات وجثث لم تُنشر هويات أصحابها. انتهى إطلاق النار صباح 28 أيلول، لكن السؤال عمّا جرى لمن وقعوا في قبضة المنتصرين بقي مفتوحاً.