في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، تملك كل دولة اسمًا ومقعدًا ومنبرًا. لكن امتحان السيادة يبدأ حين يغادر ممثلوها القاعة. من يقرّر الحرب على أرضها؟ من يفاوض على أمنها؟ ومن يستطيع أن يلتزم باسمها، ثم يضمن تنفيذ ما التزم به؟ بالنسبة إلى لبنان، تختصر هذه الأسئلة المسافة بين الاعتراف الدولي بوجود الدولة وقدرتها الفعلية على ممارسة دورها. من هنا تأتي أهمية تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام، في كلمته أمام الجمعية العامة في 25 أيلول، أن المؤسسات الدستورية وحدها مخوّلة التحدث والتفاوض باسم لبنان، ورفضه أن يتحوّل أمن البلاد إلى ثمن لتسويات تُعقد في غيابها. فهذا الموقف يضع النقاش في مكانه الصحيح، وهو حق اللبنانيين في امتلاك القرار الذي يحدّد مستقبلهم. أن يكون للبنان صوت مستقل يعني أن تنطلق سياسته من حاجات مواطنيه؛ أمنهم، عودتهم إلى بيوتهم، وقدرتهم على العمل، وحقهم في العيش خارج انتظار الحرب المقبلة. وتصبح علاقاته العربية والدولية وسائل لحماية هذه المصالح. أما حين تُقاس مصلحته بما تحققه جبهة إقليمية، أو بما تربحه دولة أخرى في مفاوضاتها، فإن المواطن يدفع كلفة قرار لا يملك مساءلة أصحابه. وفي هذا المعنى، توازي حصرية التفاوض باسم الدولة حصرية السلاح في يدها. فالسلاح يمنح حامله قدرة على فرض الوقائع، والتفاوض يمنح صاحبه قدرة على تحديد نهاياتها. وإذا بقي أحدهما خارج المؤسسات، بقيت سيادة الدولة معلّقة. وأي سلطة تُطالَب بتحمّل نتائج الحرب يجب أن تكون صاحبة القرار في تجنّبها، وأي حكومة تُحاسَب على شروط التسوية يجب أن تمتلك حقّ التفاوض عليها. هنا يقع الخلاف الجوهري مع منطق حزب الله في الاحتفاظ بقرار عسكري مستقل. فمهما كانت المبررات التي يسوقها، يبقى السؤال: بأي تفويض يملك حزب أن يعرّض مجتمعًا كاملًا لتبعات خياراته؟ التعددية تتيح الاختلاف على السياسة الخارجية والدفاعية، وتسمح بمعارضة الحكومة وتغييرها عبر المؤسسات. لكنها تفقد معناها حين يمتلك أحد أطرافها القدرة على تجاوز القرار العام بقوة السلاح، ثم يطلب من الجميع تحمّل النتائج باسم التضامن الوطني. وفي المقابل، يقتضي الموقف السيادي نفسه رفض الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. وقد جمع سلام في خطابه بين مطلب الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. وهذه رابطة ينبغي تثبيتها في النقاش اللبناني، لا يجوز تحويل رفض السلاح الخارج عن الدولة إلى تساهل مع انتهاك أرضها، ولا اتخاذ استمرار الاحتلال ذريعة تمنح أي تنظيم تفويضًا مفتوحًا في الحرب والسلم. إن حق الدولة في أرضها وحقها في قرارها يصدران عن أصل واحد. وفي هذا المسار، تستحق الدول الشقيقة والصديقة التي وقفت على منبر الأمم المتحدة إلى جانب لبنان وشعبه كل التقدير، وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية. فقد أكدت المملكة دعم سيادة لبنان ومؤسساته الشرعية، والتمسّك باتفاق الطائف وحصرية السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع إدانتها الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وتكمن أهمية هذا الموقف في جمعه بين حماية لبنان من الاعتداء الخارجي ومساندة استعادة الدولة لسلطتها في الداخل. ومن حق هذه المواقف أن تلقى وفاءً لبنانيًا واضحًا، وأن تُترجم إلى شراكة تعزّز قدرة المؤسسات وتفتح أمام البلاد فرص الاستقرار والتعافي. فاستقلال القرار الوطني يزداد رسوخًا بعلاقات عربية ودولية تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة. ويقتضي البناء على هذا الدعم العمل على تحويله إلى نتائج ملموسة. فقد تناول لقاء سلام والأمين العام للأمم المتحدة دعم حصرية السلاح واحترام السيادة اللبنانية والتعافي وإعادة الإعمار. لكن قيمة هذا التأييد تتحدد بما ينتجه؛ هل يعزّز قدرة الجيش؟ هل يساعد على حماية المدنيين؟ وهل يُترجم إلى ضغط يضمن احترام الالتزامات؟ تحتاج الدولة إلى شركاء يوسّعون قدرتها على الفعل، وإلى دعم يمكن قياسه في حياة الناس. وتقع على الأمم المتحدة، في هذا السياق، مسؤولية تتجاوز إتاحة المنبر للبنان. فصدقية النظام الدولي تُختبر حين يحتاج بلد محدود الإمكانات إلى حماية حقوقه في مواجهة طرف أقوى. وحين تتباعد القرارات عن التنفيذ، تتسع المساحة أمام دعاة القوة المنفردة لتقديم أنفسهم بديلًا من القانون. لذلك فإن مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها وحماية أرضها تخدم فكرة الشرعية الدولية نفسها. غير أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها. فوضوح الموقف في نيويورك يجب أن يستتبعه وضوح في بيروت. ما الخطوات المقبلة؟ ما الذي تحقق؟ وأين تقع العوائق؟ من حق اللبنانيين أن يعرفوا كيف تتحول التعهدات إلى إجراءات، وأن يلمسوا أثرها في أمنهم وقضائهم ومؤسساتهم. كما أن الدعم السياسي لخيار الدولة يمنح أصحابه سببًا إضافيًا لمساءلة أدائها، لأن نجاح هذا الخيار يتوقف على ثقة المواطنين به. وتُبنى هذه الثقة حين يشعر