لم يعد "الخط الأصفر" الذي رسمته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية حدًا لعمليات جيشها، بل تحوّل تدريجيًا إلى نقطة انطلاق نحو مساحة إضافية تُخلى من سكانها من دون إعلان احتلالها رسميًا. عندما كشفت إسرائيل في 18 نيسان 2026 عن هذا الخط، قدّمته بوصفه حدود "منطقة دفاع متقدمة" تمتد بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل لبنان. وشملت خريطته عشرات القرى الواقعة بين الحدود الدولية ومناطق جنوب الليطاني. لم يعترف لبنان أو الأمم المتحدة بهذه الحدود، ولم ينص عليها أي اتفاق، لكنها تحولت ميدانيًا إلى خط يفصل بين أرض يستطيع اللبنانيون الوصول إليها وأرض تملك إسرائيل قرار الدخول إليها ومنع العودة إليها. غير أن الوقائع الميدانية اللاحقة أظهرت أن إسرائيل لم تتعامل مع الخط بوصفه نهاية انتشارها. فقد وثق تحقيق ميداني لـ"ذا ناشيونال" عبور دبابات وجرافات إسرائيلية الخط في ثلاث بلدات على الأقل. وفي حي العريش في حاريص، تقدمت جرافة مدرعة ودبابة نحو 500 متر خارج الحدود التي رسمتها إسرائيل بنفسها، وقطعتا الطريق المؤدية إلى الحي، ما أدى عمليًا إلى إخلائه وعزله عن بقية البلدة. هنا يظهر الشريط الثاني: منطقة لا تحتفظ إسرائيل داخلها بقواعد دائمة بالضرورة، لكنها تستطيع اقتحامها وهدم منازلها وقصف طرقها ومنع سكانها من العودة إليها. وصف الخبير العسكري منير شحادة هذا النموذج بأنه "منطقة عازلة متحركة"، لأن السيطرة العملياتية لا تحتاج دائمًا إلى بقاء دبابة أو نقطة عسكرية ثابتة. وانتقل النموذج نفسه إلى المنصوري ودير ميماس وكفرشوبا. في المنصوري، استخدمت المسيّرات عبوات لإسقاط المنازل واحدًا بعد آخر، فيما وثقت وكالة "أسوشييتد برس" تجمع أهالي البلدة في مناطق مرتفعة لمشاهدة تدمير بيوتهم من مسافة بعيدة. وفي دير ميماس، دخلت آليات إسرائيلية إلى أطراف البلدة وفتشت منازل بعد اقترابها من موقع للجيش اللبناني. التحرك الإسرائيلي لا يرسم حدودًا جديدة على الورق فقط. الجرافة التي تقطع طريقًا، والقصف الذي يمنع الدفاع المدني من الوصول، والتفجير الذي يجعل الحي غير صالح للسكن، كلها أدوات تنتج حدودًا فعلية حتى من دون إقامة سياج. وعندما يتموضع الجيش اللبناني عند النقطة التي توقفت عندها الآليات الإسرائيلية، ينشأ خطر تحول تلك النقطة مؤقتًا إلى حد أمر واقع. أما الرواية الإسرائيلية فتقول إن العمليات تستهدف مواقع وأنفاقًا وقدرات عسكرية لـ"حزب الله"، وإن الجيش سيواصل التحرك داخل "المنطقة الأمنية" لإزالة أي تهديد. وبعد تفجير شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيستمر في تفكيك البنية العسكرية للحزب داخل المنطقة. لكن هذا البيان لا يفسر هدم منازل ومنشآت مدنية أو عبور الخط الذي وضعته إسرائيل نفسها. المشكلة الأخطر أن "الخط الأصفر" لم يُثبت أصلًا بإحداثيات متفق عليها. إسرائيل توسع خريطته أو تتجاوزه بحسب حاجاتها العسكرية، بينما لا يملك اللبنانيون خريطة رسمية مقابلة تبين أين توجد القوات الثابتة، وأين تمارس إسرائيل السيطرة بالنار، وأين بات الوصول المدني ممنوعًا. وبذلك يصبح الجنوب أمام ثلاث دوائر متداخلة: شريط تحت الاحتلال المباشر، وحزام يمنع السكان من دخوله، ومنطقة ثالثة تتعرض للاقتحام والهدم والقصف من دون وجود إسرائيلي دائم. جمع هذه الدوائر تحت تسمية واحدة يحجب حقيقة التوسع، كما أن النظر إلى الاحتلال من خلال مواقع الجنود فقط يقلل من حجم الأرض التي فقد اللبنانيون القدرة الفعلية على استخدامها. ليست القضية أن إسرائيل تجاوزت خطًا دوليًا، لأن "الخط الأصفر" نفسه لا يتمتع بأي شرعية. الجديد أنها بدأت تجاوز حتى الخط الأحادي الذي رسمته، منشئة وراءه شريطًا ثانيًا من الأرض المحروقة. وإذا لم يوثق لبنان هذا التحول بالخرائط والإحداثيات والصور الفضائية، فقد يتحول التوسع المتدرج إلى واقع تفاوضي يُناقش لاحقًا بوصفه أمرًا قائمًا.