لم يكن لبنان تفصيلًا هامشيًا في العرض الإيراني الأخير لفتح مضيق هرمز. الخطة التي حملتها طهران إلى نيويورك وضعت وقف العمليات في لبنان ضمن سلّة واحدة تضم الملاحة والنفط والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة. لكن دونالد ترامب رفض العرض بأكمله قبل أن ينتقل إلى مفاوضات نهائية، فسقط معه البند اللبناني قبل أن يتحول إلى ضمانة قابلة للتنفيذ. قدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 25 أيلول 2026 خطة تمتد سبعة أيام. وبحسب عرضه، تبدأ واشنطن برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتخفيف القيود عن صادرات النفط، والإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال المجمدة. وبعد تنفيذ الخطوات الأميركية خلال أربعة أو خمسة أيام، تعيد إيران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الطبيعية، على أن تنطلق في اليوم السابع مفاوضات الاتفاق النهائي. أضاف عراقجي شرطًا يمس لبنان مباشرة: وقف الأعمال العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، خلال فترة الأيام السبعة. والمقصود وفق القراءة الإيرانية ليس تهدئة بين واشنطن وطهران فقط، بل وقف العمليات الإسرائيلية أيضًا في الأراضي اللبنانية التي لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء منها. إلا أن الرد الأميركي جاء سريعًا. نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين أن ترامب استبعد الخطة بسبب شكوكه في استعداد إيران لتنفيذ المطالب الأميركية. ثم أعلن ترامب أن إيران تريد اتفاقًا، لكنه وصف العرض المقدم بأنه غير مقبول. لم يعلن الرئيس الأميركي شطب بند لبنان تحديدًا؛ ما حصل هو رفض الخطة كاملة، وبالتالي إسقاط جميع بنودها، ومن ضمنها التهدئة اللبنانية. هذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها لبنان إلى مفاوضات هرمز. ففي مذكرة إسلام آباد الموقعة في حزيران، ورد نص يدعو الولايات المتحدة وإيران وحلفاءهما إلى وقف العمليات العسكرية "على جميع الجبهات، بما فيها لبنان". وكشفت المسودة يومها أن الهدنة الإقليمية لم تكن منفصلة عن حرب الجنوب، بل صيغت على أساس أن طهران تستطيع التأثير في قرار "حزب الله"، وأن واشنطن تستطيع الضغط على إسرائيل. لكن الخلاف انفجر عند تفسير الالتزام. إيران اعتبرت أن وقف الحرب يتطلب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي دخلتها خلال العمليات، بينما قالت الإدارة الأميركية إن المذكرة لا تتضمن نصًا يلزم إسرائيل بالانسحاب. أما إسرائيل فلم تكن طرفًا مباشرًا في الاتفاق، وأعلنت أنها ستبقى في لبنان ما دامت ترى أن "حزب الله" يمثل تهديدًا. انهارت مذكرة حزيران خلال أسابيع. عادت واشنطن إلى الحصار البحري، واستأنفت إيران استهداف الملاحة، وتبادل الطرفان الاتهامات بخرق الاتفاق. ومع انتهاء مهلة الستين يومًا في 17 آب، لم تكن المفاوضات النووية قد حققت تقدمًا، فيما بقيت الهدنة المرتبطة بلبنان قائمة بصورة منفصلة وهشة. الفارق بين خطتَي حزيران وأيلول مهم. في الأولى، كان لبنان جزءًا من تفاهم مكتوب لكنه تعرض لتفسيرات متعارضة. وفي الثانية، أعادت إيران طرح وقف العمليات في لبنان كشرط موازٍ لفتح هرمز، غير أن العرض رُفض قبل الانتقال إلى نص متفق عليه. لذلك لا يمكن القول إن لبنان خسر ضمانة قانونية، بل خسر احتمالًا سياسيًا كان يمكن أن يتحول إلى مظلة تهدئة. تكشف القضية هشاشة موقع بيروت في المفاوضات الإقليمية. مصير القرى الجنوبية حضر في محادثات لم يشارك فيها لبنان، وارتبط بملفات تخص البرنامج النووي الإيراني وحرية الملاحة والأموال المجمدة. وإذا عادت الصفقة إلى الطاولة، فقد يُستخدم وقف العمليات في لبنان مرة جديدة ورقة مساومة لا بندًا سياديًا تفاوض عليه الدولة اللبنانية بنفسها. أما اقتصاديًا، فإن فشل الاتفاق يتجاوز الجنوب. تراجع سعر خام برنت موقتًا إلى نحو 103 دولارات بعد ظهور بوادر الانفراج، قبل أن تعود المخاوف مع رفض الخطة. استمرار الأزمة في هرمز يرفع كلفة النفط والشحن والتأمين، وينتقل سريعًا إلى أسعار المحروقات والكهرباء والنقل والسلع المستوردة في لبنان. سقطت خطة الأيام السبعة، لكن معادلتها لم تختفِ: لا تريد إيران فصل هرمز عن جبهات حلفائها، فيما ترفض واشنطن منح طهران حق التفاوض باسم لبنان. وبين الطرفين، لا يزال لبنان حاضرًا في النصوص وغائبًا عن الطاولة.