لا يحيي "حزب الله" الذكرى الثانية لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصرالله بوصفها محطة عاطفية أو تنظيمية عابرة. فالاحتفال المركزي الذي يقيمه الحزب اليوم عند ضريح نصرالله على طريق المطار، في حضور حشود شعبية وكلمة مرتقبة للأمين العام نعيم قاسم، يأتي في مرحلة تختلف جذريًا عن كل ما سبقها. قبل عام، كانت الأولوية إثبات أن الحزب تجاوز صدمة اغتيال نصرالله وهاشم صفي الدين والضربات التي استهدفت قياداته. أما اليوم، فيدخل الحزب الذكرى تحت ضغط احتلال إسرائيلي واسع للجنوب، وخسارة مواقع عسكرية رئيسية، وتعثر مسار الانسحاب، وتصاعد المطالب الداخلية والخارجية بحصر السلاح بيد الدولة. لهذا، يتحول الحشد إلى أول مؤشرات الاختبار. فالحزب يريد إظهار أن الخسائر البشرية والعسكرية، والنزوح، وتدمير القرى، والعقوبات المالية، لم تفصل القيادة عن بيئتها. ولا يرتبط الأمر بعدد المشاركين فقط، بل بقدرة الحزب على التعبئة والتنظيم وتأمين النقل والخدمات والحماية في وقت تعيش فيه قاعدته واحدة من أقسى أزماتها الاجتماعية والاقتصادية. كذلك ستخضع طبيعة المشاركة السياسية والرسمية للتدقيق. فمن سيحضر؟ وما مستوى تمثيل الحلفاء؟ وهل تنعكس التباينات الأخيرة بين الحزب وبعض القوى القريبة منه على صورة المنصة؟ أما ما تردد عن عدم دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون، فيبقى ضمن التسريبات الصحافية ما لم يصدر موقف رسمي، لكنه يعكس حجم التوتر بين بعبدا وحارة حريك. غير أن الامتحان الأساسي لن يكون في الساحة، بل في الكلمة التي سيلقيها نعيم قاسم. فالأمين العام للحزب يقف أمام معادلة شديدة التعقيد: تثبيت التمسك بالسلاح أمام جمهوره، وتجنب منح إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب، وعدم إقفال الباب نهائيًا أمام الدولة اللبنانية. في خطاباته السابقة، رفع قاسم سقف المواجهة، ورفض تسليم السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي، وانتقد أداء الحكومة والمفاوضات التي تخوضها. إلا أن المرحلة الحالية تفرض عليه تقديم إجابات تتجاوز إعلان الصمود: ما هي استراتيجية الحزب بعد خسارة مواقع ومرتفعات أساسية؟ وكيف سيتعامل مع بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان؟ وما موقفه من انتشار الجيش والمناطق التجريبية ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب؟ أي خطاب هجومي تجاه الرئاسة والحكومة قد يحشد جمهور الحزب، لكنه سيعمق القطيعة مع مؤسسات الدولة ويزيد الضغوط على حلفائه. وفي المقابل، فإن أي لهجة مرنة أو قبول بمناقشة مستقبل السلاح قد يُقرأ داخل بيئته بوصفه تراجعًا تحت وطأة الحرب والاحتلال والعقوبات. بين الخيارين، قد يلجأ قاسم إلى معادلة تربط أي بحث في السلاح بانسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى وعودة النازحين وإعادة الإعمار. وهي صيغة تسمح للحزب بإظهار التمسك بموقفه، من دون إعلان إغلاق الباب أمام حوار داخلي حول استراتيجية الأمن الوطني. وسيكون موقفه من الجيش اللبناني بالغ الدلالة. فالحزب لا يستطيع الظهور بموقع المعارض لانتشار الجيش في الجنوب، لكنه يرفض أن يتحول هذا الانتشار إلى مسار لنزع سلاحه تحت الضغط الإسرائيلي والأميركي. لذلك يُنتظر أن يفصل قاسم بين دعم المؤسسة العسكرية ورفض ما يعتبره استخدامًا لها لتنفيذ شروط خارجية. كما ستُقرأ كلماته تجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة "أمل" بعناية. فالتباينات التي ظهرت في بعض الاستحقاقات الحكومية والنيابية لا تعني انهيار التحالف، لكنها كشفت اختلافًا في إدارة المرحلة. الحزب يحتاج إلى الغطاء السياسي الذي يوفره بري، فيما يحاول رئيس المجلس منع انتقال كلفة الحرب والسلاح إلى الدولة والطائفة معًا. أما إيران، فستكون حاضرة في الخطاب حتى لو لم تحتل مساحته الأكبر. فتعثر التفاوض بين طهران وواشنطن، وانهيار تفاهمات هرمز، وتشديد العقوبات، كلها عوامل تضيق هامش الحركة أمام الحزب. والسؤال هنا هو ما إذا كان قاسم سيعيد ربط جبهة لبنان بالمواجهة الإقليمية، أم سيشدد على أن قرار الحزب وسلاحه جزء من معادلة لبنانية تتصل بالاحتلال الإسرائيلي. ولا تقتصر أهمية المناسبة على الداخل. فإسرائيل ستراقب الحشد وإجراءات الحماية والوجوه المشاركة والمصطلحات المستخدمة في الخطاب. وستبحث أجهزتها عن مؤشرات تتعلق ببنية القيادة، وحجم التعافي التنظيمي، وطبيعة العلاقة مع إيران، ومدى استعداد الحزب للعودة إلى المواجهة. من هنا، لا تشكل الذكرى امتحان وفاء لنصرالله فقط، بل اختبارًا لقيادة نعيم قاسم نفسه. فقد تسلم الحزب في مرحلة الصدمة، لكنه يقوده اليوم في مرحلة البحث عن اتجاه: بين السلاح والدولة، وبين تثبيت القاعدة وتجنب حرب جديدة، وبين الارتباط بإيران ومحاولة الاحتفاظ بموقع داخل التسوية اللبنانية. في الذكرى الأولى، كان المطلوب إثبات أن الحزب لا يزال موجودًا. أما في الذكرى الثانية، فالسؤال أصبح أكثر قسوة: ماذا سيفعل بهذا الوجود، وما الخطة التي يحملها للبنا