يمكنُ للناظر إلى تاريخ حزب الله أن يبدأ قراءته من خلال أمنائه العامين. خمسة رجال تولّوا المنصب منذ أواخر الثمانينيات: صبحي الطفيلي، عباس الموسوي، حسن نصرالله، هاشم صفي الدين، ويضاف إليهم حالياً نعيم قاسم. لو دقّقنا أكثر لاكتشفنا أنّ هذه الأسماء الخمسة تبدو قليلة إذا ما قورنت بعمر تنظيم عسكري جهادي عقائدي مثل "حزب الله". الحزب كاملاً مع انطلاقته وتحولاته والمنعطفات التي تعرَّض لها. هذه الأسماء بتحوّلاتها واختلافها، في الواقع، تكفي لرسم مسار طويل للتنظيم. مع صبحي الطفيلي والتنظيم المقاوم الذي يبحث عن مكانه، إلى حزب يدخل الحياة السياسية، متحوّلاً بعد ذلك إلى قوة تتجاوز حدود لبنان إلى مشاريع إقليميّة ودوليّة، وصولاً إلى اليوم والحزب الذي يجدُ نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب صورته الهزيلة، خصوصاً بعد اغتيال الرجل "الكبير" الذي قاده لأكثر من ثلاثة عقود. الأمانة العامة، في كلّ مرة، هي مرآة للّحظة التي وصل فيها صاحبها إلى موقعه. فكل أمين عام جاء إلى الحزب استلمه وهو في حالة غير الحزب الذي تركه سلفه. خرج الحزب من سياق الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكان معنى المقاومة يحتل المساحة الأكبر من هويته. مع الشيخ صبحي الطفيلي كان الحزب في زمن البدايات. فوضى من بدايات التأسيس وتلمُّس الطريق الأولى إلى العمل القتالي السرّي نوعاً ما. ولم يكن قطعاً حزب الله قد وصل بعد إلى صورته التي استقرت لاحقاً في المخيّلة اللبنانية. احتضن لبنان هذا التنظيم، رغم أنّ البلد المنكوب دخل مرحلة أخرى في تاريخه مع نهاية الحرب الأهلية واتفاق الطائف. بقيَ التنظيم يتحرَّك في هذا المدار مع صعوبة بالغة في اختيار أمين عام في ظلّ غياب هوياتي لحزب الله. ما الذي يريدُ الحزب أن يكون عليه بعد التناحر الطويل في زمن الطفيلي؟ أي حزب يريد حزب الله أن يكون؟ تناحر لم يسلم منه حتى الإخوة الأعداء. الصورة الأولى تتراوح بين تنظيم للمقاومة والحركة الجهادية الإسلامية، ويمكنُ لها أن تضيف شيئاً من القوة السياسيّة. أسئلة كثيرة كانت تثبت أن ذلك الحزب ما زال في طور اختبار علاقته بالسياسة اللبنانية. شيء من التململ والضياع وعدم الوضوح يغلِّف مرحلة الطفيلي بين 1989 و1991، التي تبدو مرحلة أقرب إلى حقبة مخصَّصة لتعريف الحزب بنفسه. لا يلبث صبحي الطفيلي أن يخرج من الحزب، لينضمَّ إلى قافلة أبرز منتقديه، خصوصاً في ما يتعلق بالانخراط في الحياة السياسية اللبنانية. مرحلة بالغة الأهمية تكشف في تقلُّباتها الكثيرة عن هويّة التنظيم التي احتاجت إلى أكثر من نقاش. باختصار، كان حزب الله منذ بدايته يحملُ بندقيّة واضحة موجّهة تجاه إسرائيل، في الوقت الذي يغيبُ هذا الوضوح عن حقل السياسة داخل الحزب نفسه. السيد عباس الموسوي والعام 1991. لا يمنحُ التاريخ الأمين العام الثاني لحزب الله وقتاً طويلاً. في 16 شباط 1992 تغتاله إسرائيل، رفقة زوجته وطفله. قصر العهد لا يعني أن المرحلة كانت قصيرة بالمعنى السياسي. في العام نفسه يدخل حزب الله الانتخابات النيابية اللبنانية، ويبدأ عملياً مرحلة جديدة من علاقته بالدولة ومؤسساتها. فترة مهمّة وجدَ فيها الحزب لنفسه مكاناً داخل البرلمان، لكن مع إشكاليّة استمرار هويّته الأخرى كفصيل مسلّح وتنظيم جهادي ذي تمويل خارجي واضح معلن ومعروف. مرحلة فارقة شهدَها الحزب تخلّلَها عنوان واحدٌ أوحد: أن يحاولَ الحزب إدارة المقاومة والسياسة في الوقت نفسه. وهذه واحدة من أكثر التحولات أهمية في تاريخه. لم تكُن مرحلة عباس الموسوي طويلةً. لم تتعدَّ الأشهر أصلاً. لكنَّها حين ننظر إليها نجدُ ما هو لافت حقاً. الرجل الذي سيبقى طويلاً داخل هذا الباب كان موجوداً منذ تلك اللحظة. نعيم قاسم، الذي عيّنه الموسوي نائباً له عام 1991، بقيَ في المكانة نفسِها طيلة عهد حسن نصرالله. وكأنَّ تاريخ الحزب كان، من دون أدنى معرفة، يضعُ أحد مفاتيح مستقبله في المرتبة الثانية، ويتركُ مرتبته الأولى لصورةٍ أخرى وشخصيّة مختلفة تماماً. وعنوان هذه الصورة حسن نصرالله. 16 شباط 1992 تاريخٌ مفصليّ في عمرِ التنظيم الحزبي. استلمَ السيد حسن نصرالله موقع الأمين العام للحزب وبقيَ حتى اغتياله في 27 أيلول 2024. ثلاثة عقودٍ ونيّف تكفي لتغيير بلدٍ كامل، فكيف إذا كان الموقع هو حزب الله. ترأس نصرالله الحزب في عقودٍ ثلاث. كان على رأس مجلس الشورى الذي تتفرع عنه مجالس سياسية ونيابية وتنفيذية وقضائيّة وجهاديّة. خلال هذه السنوات انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وخاض نصرالله والحزب حرب تموز 2006، ودخل بشكل أكثر عمقاً في النظام السياسي اللبناني. لم يلبث العقد الأول أن ينتهي إلا مع دخول الحزب ونصرالله في أتون الحرب السوريّة، وما تلاه ذلك من توسعة في دوره الإقليمي بحيث أصبح اسمه مرتبطاً بملفات تتجاوز كثيراً الحدود "النضاليّة" التي بدأ منها. الكلام السالف لا يفس