بين الدراجات النارية والمسالك الترابية والحافلات الصغيرة، عادت شبكات تهريب الأشخاص على الحدود اللبنانية–السورية إلى الواجهة. فالمشاهد المصورة لعابرين يسلكون طرقًا غير شرعية في عكار لم تكشف مجرد ثغرة حدودية، بل مسارًا منظمًا يبدأ داخل سوريا، يمر بوادي خالد ومحيطه، وقد يمتد إلى الساحل الشمالي تمهيدًا لرحلات الهجرة نحو أوروبا. وتشير معلومات متقاطعة إلى أن كلفة تهريب الشخص الواحد تراوح بين 150 و200 دولار. ومع نقل 20 شخصًا على الأقل في بعض الرحلات، قد تصل إيرادات المهرّب إلى نحو 4000 دولار في الرحلة الواحدة، قبل اقتطاع حصص السائقين والوسطاء والعاملين على جانبي الحدود. وهذه الأرقام مستندة إلى شهادات ومعطيات ميدانية، وليست تسعيرة ثابتة أو إحصاءً رسميًا. وتفيد المعطيات بأن الرحلة لا ينفذها مهرّب واحد من البداية إلى النهاية. تبدأ العملية بنقل الراغبين في الدخول بسيارات أو حافلات صغيرة إلى نقاط قريبة من الحدود السورية، ثم تُستخدم دراجات نارية لعبور جزء من المسافة، قبل إكمال الطريق سيرًا عبر مسالك وعرة. وبعد الوصول إلى لبنان، تتولى مجموعة أخرى نقلهم إلى وجهاتهم الداخلية. هذا الأسلوب المتدرج يجعل تفكيك الشبكة أكثر تعقيدًا، لأن كل حلقة قد تكون مسؤولة عن مرحلة محددة: وسيط يجمع الأسماء والأموال، سائق ينقل المجموعة، دليل يعرف الطريق، وأشخاص ينتظرون داخل الأراضي اللبنانية. لذلك، لا يؤدي توقيف سائق أو ناقل بالضرورة إلى كشف الجهة التي تدير العملية وتحصل على الحصة الأكبر من الأرباح. في المقابل، نفت مصادر عسكرية تسجيل موجة استثنائية أو عبور عشرات الأشخاص يوميًا بالصورة المتداولة، مؤكدة أن عمليات التهريب لم تتوقف منذ سنوات، وأن ما يجري حاليًا لا يزال ضمن نطاق محدود. لكنها لم تنف حصول عمليات الدخول، وأقرت بأن تداخل البلدات وطبيعة الحدود الجغرافية يجعلان إقفال جميع المسالك مهمة شديدة الصعوبة. ولا يتوقف النشاط عند حدود عكار البرية. إذ تتحدث معطيات ميدانية عن حركة انطلاق من منطقة الحميدية في ريف طرطوس باتجاه لبنان، إضافة إلى استخدام زوارق تتجه نحو الساحل المقابل لطرابلس. وكانت السلطات اللبنانية قد أعادت إلى سوريا 21 شخصًا بعد إنقاذهم إثر احتراق وغرق قارب قبالة الساحل الشمالي، ما يطرح احتمال وجود مسار مترابط بين التهريب البري والهجرة البحرية. خطورة الملف لا ترتبط بأعداد الداخلين فقط. ففي آب الماضي، أعلن الجيش ضبط صواريخ "غراد" من عيار 122 ملم هُرّبت من سوريا عبر جرد عرسال، وتوقيف شخصين من أفراد شبكة التهريب. ولا دليل على أن الشبكة نفسها تنقل الأشخاص في عكار، إلا أن الواقعة تؤكد أن المسالك غير المضبوطة يمكن استخدامها لتهريب البشر والسلاح والمخدرات والبضائع. وبين رواية أمنية تقلل من حجم الموجة ومشاهد ميدانية توثق استمرار العبور، يبقى الغائب رقمًا رسميًا واضحًا: كم شخصًا دخل خلسة؟ كم مهرّبًا أوقف؟ وكم شبكة فُككت ووصل ملفها إلى القضاء؟ من دون هذه الأرقام، سيبقى النقاش عالقًا بين التهويل والنفي، فيما تستمر سوق التهريب في العمل… رحلة بعد أخرى.