يشهد العالم تحوّلاً جذرياً في مفاهيم الطاقة كانت مسيطرة لعقود مضت، فلم تعد القوة فقط لمن يملك الغاز، بل أيضا لمن يمتلك الطريق الذي يحمل الغاز إلى سوق الاستهلاك. هذه النقلة تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها في الواقع تحمل أبعاداً جيوسياسية عميقة. من هنا يمكن فهم التحولات التي يشهدها شرق المتوسط اليوم. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول الاحتياطات البحرية، بل حول الأنابيب ومحطات الإسالة والموانئ وممرات التصدير والعلاقات السياسية التي تحمي هذه الشبكة. وفي هذه المعادلة، تبدو مصر وتركيا في موقع متقدم، فيما تحاول قبرص وإسرائيل تثبيت موقعهما كمنتجين، اما سوريا فهي في الطور الاستعداد لدخول هذا المعترك برعاية خليجية أميركية واضحة. اما لبنان فيجد نفسه في منطقة رمادية تدور بين إمكانية الاستفادة من موقعه الجغرافي ومنشآته الساحلية، وبين غيابه السياسي عن هندسة سوق الطاقة الإقليمية. كان اكتشاف الغاز في شرق المتوسط خلال العقدين الماضيين كفيلاً بإعادة ترتيب الحسابات السياسية في المنطقة. لكن التطور الأهم لم يكن في حجم الاكتشافات وحده، بل في ظهور شبكة متداخلة بين مصر وقبرص وإسرائيل. مصر تمتلك ميزة لا تتوافر بسهولة لغيرها في شرق المتوسط: بنية تحتية قائمة لتسييل الغاز وتصديره عبر محطتي إدكو ودمياط. وهذا يجعلها أكثر من مجرد دولة منتجة أو مستهلكة للغاز؛ فهي تستطيع أن تكون نقطة تجميع ومعالجة وإعادة تصدير. وفي ظل سوق أوروبي يبحث بصورة مستمرة عن تنويع مصادر الإمداد، بات لهذه القدرة قيمة استراتيجية كبيرة. وهكذا، فإن قوة مصر لا تكمن فقط في احتياطاتها أو إنتاجها المحلي، بل في موقعها بين المنتجين والأسواق. اما في قبرص فتكتسب حقول الغاز أهمية خاصة لأنها يمكن أن ترتبط بالبنية التحتية المصرية بدلاً من بناء منظومة تصدير مستقلة ومكلفة. في حقل كرونوس تقوم خطة التطوير على نقل الغاز إلى مصر والاستفادة من بنيتها التحتية القائمة، ومنها منشأة دمياط، قبل تصديره إلى الأسواق الأوروبية. وتسعى قبرص الى بدء تصدير الغاز من كرونوس إلى أوروبا بحلول 2028، وفق التصريحات القبرصية الأخيرة. المغزى الاستراتيجي هنا يقوم على إيجاد تكامل بين دول المنطقة، فبدلاً من أن ينشئ كل بلد منظومة مستقلة من الحقول والأنابيب ومحطات الإسالة والتصدير، تتشكل شبكة تجعل قبرص منتجاً، ومصر مركزاً للمعالجة والإسالة، وأوروبا سوقاً نهائية. أما إسرائيل، فهي بدورها أصبحت جزءاً من هذه المنظومة عبر تصدير الغاز إلى مصر، التي تستطيع إعادة إدخاله في شبكة التجارة الإقليمية والعالمية. بهذا المعنى، لم يعد الغاز مجرد سلعة تعبر الحدود. بل أصبح وسيلة لخلق اعتماد متبادل بين الدول. وهذا الاعتماد هو أحد أشكال القوة الجيوسياسية. فالغاز الموجود تحت البحر لا يصبح مشروعاً تجارياً لمجرد وجوده. يحتاج إلى احتياطات قابلة للاستخراج، وسعر بيع مناسب، وبنية نقل، وعقود شراء طويلة الأجل، واستقرار سياسي وأمني. وهذا يفسر لماذا أصبح الموقع الجغرافي والبنية التحتية في بعض الحالات أكثر أهمية من حجم الحقل نفسه. على الضفة الأخرى، تعمل تركيا على بناء نموذج مختلف. أنقرة لا تملك حتى الآن منظومة إسالة مماثلة للمنظومة المصرية في شرق المتوسط، لكنها تملك سلاحاً جغرافياً بالغ الأهمية: موقعها بين آسيا وأوروبا، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المسال، ومنشآت التخزين. والأهم أن تركيا بدأت تتعامل مع الغاز باعتباره جزءاً من طموح أوسع لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة. بحيث تكون قادرة على استقبال الغاز من مصادر متعددة ثم إعادة توجيهه إلى الأسواق العالمية، وهو ما يمنحها هامشاً سياسياً واقتصادياً أكبر في علاقاتها مع المنتجين والمستهلكين. وفي تموز 2026، انتقلت الفكرة التركية ـ القبرصية الشمالية من مستوى التصورات إلى خطوة عملية أكثر وضوحاً، مع توقيع مذكرة تفاهم لمد خط أنابيب غاز بحري بين تركيا وشمال قبرص. ووفق وزارة الطاقة التركية، صُمم المشروع ليكون ثنائي الاتجاه، بما يسمح نظرياً بنقل الغاز من تركيا إلى الجزيرة، وكذلك نقل الغاز مستقبلاً من الجزيرة باتجاه تركيا ثم أوروبا. أي أن المشروع لا يتعلق فقط بتزويد شمال قبرص بالغاز، بل بإمكانية بناء مسار بديل للمسارات التي تركز حالياً على مصر. عندما تأسس منتدى غاز شرق المتوسط في 2019، بدا أن المنطقة تتجه نحو صيغة جماعية يمكن أن تحول الغاز إلى قاعدة للتعاون بدلاً من أن يكون مصدراً جديداً للصراع. ضم المنتدى عند انطلاقه مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، ثم تطور لاحقاً إلى منظمة حكومية دولية مقرها القاهرة. ودخل نظامه الأساسي حيز التنفيذ في آذار 2021. لكن التجربة كشفت حدود العمل الجماعي. فالمنتدى لم يفشل بالمعنى المؤسسي، لكن المشكلة تكمن في ان العمل الجماعي لم يمنع الدول من بن