مع رحيله صفحات طويت وتاريخ يكتب. لم يكن الأباتي بولس نعمان شخصية روحية فقط بل كان سياسيًا بامتياز وصلبًا كصخور قنوبين. من كتبه استقى الموارنة تاريخهم ولبنان مجد بقائه... ذات يوم قال لي علينا أن نذهب الى إهدن لأن بعض الراهبات قد دعوني لألقي لهم محاضرة في باحة كنيسة مار ماما الواقعة في وسط الميدان. لبرهة ترددت وسألته: إهدن؟ ألا تخشى من شيء؟ أجاب: لدي أصدقاء كثر هناك منهم السيد توفيق معوض وشخصان آخران الأول يدعى سعيد الطبيش والآخر و هو الأحب إلي "الدنكورة". قلت له من أين تعرفه؟ والدنكورة شخصية قتالية من الطراز الاول إبّان الحرب ومعروف ولاؤه آنذاك لآل فرنجية. جاوب: هو صديقي والطبيش كذلك. لقد أنقذت الدنكورة في بداية الحرب بعد أن تم توقيفه على حاجز البربارة. كذلك حصلت معه حادثة و ليس من زمان تم توقيفه مرة أخرى. اتصلت بوزير العدل شارل رزق الذي ساعده كثيرًا." كنت أظن ونحن على الطريق أن الدنكورة شخصية عملاقة فذة. تخيلته هولاكو كما كان يروى عنه في قرى الشمال. ما إن وصلنا إلى ساحة الكنيسة، حتى اقترب رجل قصير القامة أبيض الشعر نحيف جدًا من الاباتي وقام بتقبيل يديه. قام بالجلوس الى جانبي طيلة المحاضرة وانا اراقبه و لا أرى إلا مسدسًا على خصره اليمين وآخر على الشمال. بعد ان انتهينا من المحاضرة دعانا الاستاذ الدنكورة كما كانت تطلق عليه الراهبات للعشاء في مطعم الفردوس. وطافت ذكرياته بلهجة زغرتاوية أصيلة من اخبار الخطف والرجولة والبطولة منتهيًا بخبرية الدولاب الذي سمّي على اسمه. و قبل المغادرة قال له الاباتي: اذا عزت شي من الجامعة اتصل بوسام". و هكذا حدث كان يتصل بي كل أسبوع تقريبًا وكنا نساعد الطلاب اللذين يتوسّط لأجلهم. ذات يوم اتصل بي أمن مدخل الجامعة قائلا لي إن السيد الدنكورة آت الى مكتبك. وبعد برهة اتصل الأمن مرة جديدة وصوته يرتعش من شدة الخوف. قلت ما بك؟. قال صندوق سيارته ممتلىء بالأسلحة ولا يمكنني السماح له بالدخول. على الفور بلغت الأباتي فاتصل بهم قائلا: أنا سلاحي مسبحتي مظبوط يا شباب والدنكورة مسبحتو سلاحو.." أتى الدنكورة كعادته الى مكتبي حاملًا مسدسين مبتسمًا مرددًا "كرمالكون كنت شلقحتون" ونحن على طاولة المائدة سألته: لماذا تحمل مسدسين؟. جاوب وهو يحدق بالاباتي: "بعد خبرة اذا واحد علق التاني بقوص." من بعد أول زيارة له أصبح رجال الامن كلما يأتي الدنكورة إلى الجامعة لا يجرؤون على تفتيشه… "ما ضروري كل الموارنة يكونوا قديسيين"... هكذا تعلمت من ذاك المارد.