ثلاث كلمات فقط عودٌ على بدء، عبارة تختصر في اللغة العودة إلى نقطة البداية، لكنها اكتسبت في الخطاب السياسي اللبناني، وخصوصاً لدى كوادر ومناصري حركة «أمل»، معنى يتجاوز دلالتها اللغوية. فهي من العبارات التي يكررها رئيس الحركة نبيه بري منذ سنوات في خطاباته، ووردت مجدداً في كلمته في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه في 31 آب 2026. ولعل في العبارة ما يغري فعلاً: القدرة على البدء من جديد، وكأن ما جرى أصبح وراءنا، وما علينا سوى خلط الأوراق وتوزيعها مرة أخرى، بما يشبه لعبة ورق الشدة. في ألعاب الشدة تنتهي الجولة، يُعرف الرابح والخاسر، تُجمع الأوراق ثم يعاد توزيعها، ويبدأ الجميع من نقطة واحدة تقريباً. أما في حياة المجتمعات، فلا تعود الأمور إلى نقطة الصفر بهذه السهولة. البيوت التي دمرت لا تعود إلى أصحابها بمجرد إعلان جولة جديدة، ومن فقد عمله لا يستعيد دخله بخلط الأوراق، ومن هاجر لا يعود لأن السياسيين الزعماء قرروا فتح صفحة جديدة، والاقتصاد المنهار لا يسترد عافيته لأن القوى التي أدارت المرحلة السابقة قررت أن تبدأ المرحلة اللاحقة. لهذا ربما تكون المشكلة في لبنان ليست في «العود على بدء»، بل في أي بدء نعود إليه؟ هل نعود إلى الدولة، أم إلى النظام الذي كان قائماً قبل الكارثة. ففي الأشهر الأخيرة برز تمايز، على الأقل في المزاج والخطاب، بين شرائح من جمهور حركة «أمل» وجمهور «حزب الله». وتحدثت تقارير صحافية حديثة عن سجالات واحتكاكات بين مناصرين للطرفين في الجنوب، فيما تحدثت تقارير أخرى عن تدخل القيادات لاحتواء التوتر. وهذا بحد ذاته تطور يستحق التوقف عنده. إذ إن النقد الذي كان شديد الصعوبة داخل البيئة الحاضنة لـ«الثنائي» بدأ يظهر بأشكال مختلفة، وخصوصاً تجاه الحرب ونتائجها وكلفتها والجهة التي اتخذت قرارها. وهذه المراجعة، بصرف النظر عن حجمها، صحية وضرورية لأي مجتمع دفع أثماناً بشرية واجتماعية واقتصادية هائلة. لكن المفارقة تبدأ عندما تتحول المراجعة إلى عملية إعفاء لطرف وتحميل كامل المسؤولية لطرف آخر. فإذا كانت هناك مراجعة حقيقية لما جرى، فلا يمكن أن نتوقف فقط عند السؤال عن من أطلق النار،ومن اتخذ قرار الحرب، بل يجب أن نسأل من أدار السلطة طوال العقود الماضية، ومن شارك في بناء النظام الذي أوصل المجتمع إلى هذا المستوى من الانهيار. فحركة «أمل» ليست قوة سياسية ناشئة وصلت حديثاً إلى السلطة حتى يمكن التعامل معها بوصفها مراقباً لما جرى. إنها أحد أقدم مكونات النظام السياسي القائم، ورئيسها يتولى رئاسة مجلس النواب منذ عام 1992. وهي شريك أساسي في الحكومات والمجالس النيابية والإدارات العامة وفي منظومة توزيع النفوذ داخل الدولة. ومن هنا تصبح فكرة تقديم أحد طرفي «الثنائي» باعتباره ضمانة في مواجهة أخطار الآخر بحاجة، في الحد الأدنى، إلى مراجعة نقدية. والقول إن وجوده ضرورة لمنع الانجرار إلى حرب أهلية أو فتنة طائفية لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال مختلف تمام، ماذا فعل هذا الوجود بالدولة. ثم إن الخوف من الحرب الأهلية، مهما كان مفهوماً في بلد يحمل تاريخها في ذاكرته، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة دائمة لتعليق المحاسبة، ولا يمكن أن تقوم إلى الأبد على معادلة، إما استمرار الزعامات نفسها وإما الفوضى، لأنها تتحول الى إدارة للخوف. والأكثر إثارة هنا أن اللبنانيين، والفئات الفقيرة منهم تحديداً، اختبروا خلال السنوات الماضية حدود قدرة الزعامة الطائفية والأحزاب اللبنانية على حمايتهم. فالوظيفة التي حصل عليها المواطن بواسطة الزعيم فقد راتبها قيمته، والموظف الذي اعتقد أن الحماية السياسية توفر له الأمان الاجتماعي اكتشف أن راتبه لا يكفيه، والمودع الذي انتمى إلى هذه الطائفة أو تلك وجد أمواله محجوزة مثل غيره، والمعلم والموظف والعامل والمتقاعد لم تنقذهم شبكة الولاءات عندما انهارت قيمة الأجور. ليكتشف اللباني قسوة خياراته، ففي الوقت الذي يُقنع المواطن بأن الزعامة تحمي مصدر رزقه، بينما تشارك هي نفسها في إدارة نظام يؤدي انهياره إلى تدمير قيمة ذلك الرزق. ثم تعود الزعامة بعد الانهيار لتقدم نفسها وسيطاً بين المواطن والدولة كي يحصل على جزء مما خسره. وهكذا الدولة تضعف، فيحتاج المواطن إلى الزعيم. وكلما احتاج المواطن اليه ازدادت قدرته على إضعاف الدولة.فتحضر الكلمات الثلاث عودٌ على بدء، لكن هذه المرة ليست بوصفها عبارة بلاغية، بل بوصفها آلية كاملة لإعادة إنتاج السلطة. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما نصل إلى مرحلة إعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب المستمرة . فهذه المرحلة قد تكون فرصة نادرة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وقد تتحول، في المقابل، إلى أكبر عملية لإعادة إنتاج الزعامات نفسها. وذلك يتوقف على من يتكفل متابعة مسار المعالجة ،فهل تكون الوزارات والبلديات والمؤسسات العامة هي المرجعية المباشرة