ليست أزمة التعليم الجديدة أن الطالب لا يعرف جواب السؤال؛ بل إن أعداداً مقلقة من الطلاب باتت تواجه صعوبة في قراءة السؤال الطويل، وفرز معلوماته، وبناء حجة، والمثابرة حتى الوصول إلى جواب. هذه هي الرسالة الأخطر التي يمكن قراءتها في نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA 2025، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا والأجهزة الرقمية والذكاء الاصطناعي جزءاً من البيئة اليومية التي يتعلّم فيها الطلاب. وتكشف النتائج أن النقاش لم يعد يتعلق بإدخال التكنولوجيا إلى الصفوف فقط، بل بطريقة استخدامها وتأثير أنماط الاستخدام الرقمي في الانتباه والتعلّم. وفي الوقت نفسه، يفرض الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي سؤالاً أكثر عمقاً: ما المهارات التي يجب أن تحافظ عليها المدرسة عندما تصبح الإجابة والتلخيص والصياغة متاحة بضغطة زر؟ برنامج التقييم الدولي للطلبة، المعروف اختصاراً بـPISA، دراسة دورية تنظمها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ عام 2000. تستهدف طلاباً في سن الخامسة عشرة، وتقيس مدى اكتسابهم المعارف والمهارات الأساسية وقدرتهم على استخدام ما تعلموه داخل المدرسة وخارجها وتطبيقه على مشكلات من الحياة الواقعية. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، شارك في دورة 2025 أكثر من 760 ألف طالب يمثلون نحو 33 مليون طالب في سن الخامسة عشرة في 91 دولة واقتصاداً. وكان العلم المجال الرئيسي للدورة، إلى جانب القراءة والرياضيات، فيما تضمن PISA للمرة الأولى تقييماً للتعلّم في العالم الرقمي وحل المشكلات الحاسوبية. الفارق الجوهري أن PISA لا يختبر قدرة الطالب على إعادة إنتاج ما تعلمه فقط، بل مدى قدرته على استخدام المعرفة والمهارات في مواقف جديدة. لذلك، لا تقول نتائجه لنا ماذا حفظ الطلاب فحسب، بل إلى أي حد أعدّتهم المدرسة للتعامل مع مشكلات تتجاوز حدود الكتاب والصف. تأتي نتائج PISA 2025 في وقت تتغير فيه طريقة تعامل الطلاب مع المعلومات. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تراجع ملحوظ في أداء القراءة خلال العقد الماضي في عدد كبير من الأنظمة التعليمية، فيما أصبح الطلاب يتعاملون مع بيئة معلوماتية ورقمية مختلفة جذرياً.ولا يعني ذلك أن الشاشة أو التكنولوجيا سبب مباشر لتراجع الأداء. فنتائج PISA لا تسمح بإثبات هذه العلاقة السببية بهذه البساطة. ولهذا يجب التمييز بين وجود ارتباط إحصائي وبين إثبات أن التكنولوجيا نفسها تسببت في انخفاض النتائج. السؤال التربوي الأهم هو: متى نستخدم الأجهزة؟ ولماذا؟ وهل تخدم عملية التعلّم أم تتحول إلى مصدر إضافي للتشتت؟ الأجهزة الرقمية داخل المدرسة تكشف بيانات PISA 2025 الخاصة بلبنان عن حضور كبير للأجهزة الرقمية داخل البيئة التعليمية. فقد أفاد الطلاب في لبنان بأنهم يقضون في المتوسط 1.5 ساعة يومياً في استخدام الأجهزة الرقمية في المدرسة لأنشطة التعلّم، مقابل 1.7 ساعة في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي المقابل، أفادوا بقضاء 2.1 ساعة يومياً في استخدامها داخل المدرسة لأغراض ترفيهية، مقابل 1.1 ساعة في متوسط دول المنظمة. هذه الأرقام لا تعني أن الاستخدام الرقمي الترفيهي تسبب في مستوى الأداء الذي سجله الطلاب اللبنانيون، لكنها تكشف حجم الحضور الرقمي غير المرتبط مباشرة بالتعلّم داخل اليوم المدرسي. بحسب PISA 2025، أفاد 27% من الطلاب في لبنان بأن زملاءهم يتشتتون غالباً بسبب استخدام الأجهزة الرقمية خلال معظم حصص العلوم أو كلها، وهي نسبة قريبة من 28% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبعد أخذ الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطلاب والمدارس في الاعتبار، سجل الطلاب الذين أفادوا بوجود هذا التشتت أداء أقل بـ47 نقطة في العلوم مقارنة بالطلاب الذين لم يبلغوا عنه، مقابل فارق قدره 11 نقطة على مستوى دول المنظمة. هذه النتيجة تصف ارتباطاً إحصائياً ولا تثبت السببية، لكنها تجعل إدارة الانتباه داخل الصف جزءاً أساسياً من أي سياسة جادة للتكنولوجيا التعليمية. تقدم بيانات PISA 2025 مؤشراً آخر يتعلق بسياسات المدارس تجاه الهواتف المحمولة. فقد كان 85% من الطلاب في لبنان يدرسون في مدارس أفاد مديروها بأن استخدام الهواتف المحمولة غير مسموح به داخل مباني المدرسة، مقابل 49% في متوسط دول المنظمة. وعلى مستوى دول OECD، كان الطلاب في المدارس التي تحظر استخدام الهواتف أقل احتمالاً للإبلاغ عن التشتت الرقمي مقارنة بغيرهم. مرة أخرى، لا يكفي ذلك للقول إن الحظر يؤدي تلقائياً إلى تحسن النتائج. لكنه يؤكد أن المشكلة ليست وجود الجهاز وحده، بل القواعد التي تنظّم حضوره في بيئة التعلّم. الذكاء الاصطناعي يدخل الواجبات المدرسية لا يقتصر التحول التكنولوجي على الهواتف والأجهزة. تكشف بيانات PISA 2025 أن روبوتات الذكاء الاصطناعي أصبحت بالفعل جزءاً من الممارسات التعليمي