"منعتذر… ما منوظّف من ذوي الاحتياجات الخاصة"... هذه الجملة كان ميشيل يسمعها عندما يتقدّم إلى العمل. أمضى 35 عاماً موظفاً في إحدى الجمعيات، يعمل كنجّار موبيليا، قبل أن يجد نفسه خارج العمل بعد بلوغه الرابعة والستين. كان بإمكانه أن يعود إلى منزله، وأن يعتمد على أولاده، لكنه اختار طريقاً آخر."ما بقدر قول لابني: مدّ إيدك أعطيني يا بابا… طالما في نفس بهالجسد، بضلّ بقدر بعطي". فكرة بسيطة بدأت من عربته الكهربائية. هذه العربة التي يستخدمها للتنقّل، حوّلها إلى بسطة متنقّلة، وضع عليها خزانة للكعك، وبدأ يجوب الشوارع بحثاً عن رزقه. "أنا شخص مقعد ببيع كعك على عربيتي وأنا كتير مبسوط… أنا هلّق رايح عالشغل، امشوا معي". يستيقظ ميشيل عند الرابعة فجراً. يشرب قهوته، يستحمّ ويستعدّ ليوم طويل، لأن بيع الكعك بالنسبة إليه عملٌ حقيقي، وله شروطه أيضاً. ميشيل الذي تحدّى الإعاقة وعمل بكرامة في بيروت (النهار) عند الخامسة والربع يغادر منزله، ويتوجّه إلى الفرن في برج حمود (منطقة داخل العاصمة اللبنانية بيروت)، وبعد نحو نصف ساعة يصل إلى مكان عمله، حيث يبدأ يومه أمام مطاحن التاج. عربته بطيئة، وكثيراً ما تتعطّل، وهو يحاول تأمين عربة جديدة يبلغ سعرها نحو 1400 دولار، تكون أسرع، وتتّسع لكمية أكبر من الكعك. أما ما يجنيه في يومه، فيراوح بين 8 و12 دولارًا. وعندما نسأله إن كان هذا المبلغ يكفيه، يأتي جوابه مختصراً: "والله… هيدا وضعي". لكن الصعوبة لا تتوقف عند الدخل أو أعطال العربة، فميشيل يسمع أحياناً كلاماً أقسى من الطريق نفسه. "ليك هيدا كيف ولاده مخلّينه يبيع كعك؟". كلامٌ يرفض أن يحمّل مسؤوليته لأبنائه، الذين يقول إنهم كانوا في البداية يعترضون على عمله، لكنه أصرّ على الاستمرار. هو لا يريد من أولاده أن يتحوّلوا إلى مصدر رزقه، مهما كان حبّه لهم كبيراً. "ما في أحنّ منهن… بس ما إلي قلب آخد من قدام ابني، أو من قدام بنتي". لهذا اختار أن يبقى قادراً على العطاء، ولو كان ما يجنيه في نهاية اليوم لا يتجاوز بضعة دولارات. وحين نسأله عن الرسالة التي يريد توجيهها إلى شخص من ذوي الإعاقة، لا يتحدث عن الشفقة، ولا يطلب من الناس أن ينظروا إليه باعتباره عاجزاً. بل يقول: هيدي الغيها من حياتك "ورقة مكتوب عليها من ذوي الإحتياجات الخاصة"… شيلها من الروزنامة تبعك. فكّر دائماً بالأحسن، ما تيأس وما تستسلم… سلّم أمرك لله وهو بيقيمك". هو، كل صباح، يخرج بعربته ليبيع شيئاً آخر أيضاً: "إصراره على أن يبقى قادراً على إعالة نفسه، وعلى أن تكون إعاقته جزءاً من حياته، لا تعريفاً لها". وربما لهذا السبب، حين يمرّ في الشارع وينادي "كعك… كعك"، لا يكون ذلك مجرد نداء للبيع. إنه إعلانٌ بسيط عن رجلٍ قرّر ألّا ينتظر أحداً لكي يعيش.