ترأس البابا لاوون الرابع عشر، اليوم السبت، قداساً في الهواء الطلق في ساحة الكونكورد بباريس، أمام مئات الآلاف من المؤمنين، بعدما جاب شارع الشانزليزيه في السيارة البابوية وسط حشود كبيرة رفعت الأعلام الفرنسية وأعلام الفاتيكان. ويجري البابا لاوون، زيارة تستمر أربعة أيام إلى فرنسا، وهي دولة علمانية ذات جذور كاثوليكية عميقة، في أول زيارة بابوية رسمية إلى البلاد منذ نحو عقدين. وفي أبرز محطات اليوم الثاني من الزيارة، ترأس لاوون الرابع عشر القداس في ساحة الكونكورد، حيث أُقيمت مظلة بيضاء ضخمة لتكون مذبحاً مؤقتاً، فيما نُصبت عشرات الشاشات لتمكين الحاضرين من متابعة القداس الذي استمر نحو ساعة ونصف الساعة. وشهدت الزيارة حماساً واضحاً وحالة من الحماسة الروحية بين المؤمنين، فيما رافقت صلوات البابا موسيقى الكورال والأرغن، بالتزامن مع اختراق أشعة الشمس للسماء الرمادية. وقال البابا خلال القداس: «إنه لأمر طيب ومفرح حقاً أن يجتمع الإخوة والأخوات معاً ويمجّدوا عظمة الله»، مرتدياً الملابس الليتورجية البيضاء. وبحسب الفاتيكان، تجمع نحو 800 ألف شخص على امتداد أكثر من كيلومترين، وصولاً إلى ما بعد قوس النصر. وأُغلقت منطقة وسط باريس أمام حركة المرور خلال القداس، فيما حلقت مروحيات في سماء المنطقة وتمركز قناصة على أسطح المباني. وقالت ألين رزيقي، البالغة 41 عاماً، والتي ولدت في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتقيم في فرنسا منذ 11 عاماً: «إنها فرصة تاريخية لرؤية البابا». وأضافت أنها تركت كل شيء للحضور ورؤيته والصلاة من أجل السلام في شرق بلادها، الذي يعاني من صراع مستمر منذ عقود. وجلس بعض الحاضرين على الأرصفة وهم يعقدون أذرعهم حول ركبهم ويخفضون رؤوسهم في تركيز أثناء استماعهم إلى صوت البابا الذي كان يتردد في أرجاء الشانزليزيه، فيما وصل آخرون برفقة أطفالهم في عربات، أو حملوا أطفالهم على أكتافهم أملاً في إلقاء نظرة على البابا. حضرت جين دو مونتانياك، البالغة 29 عاماً، القداس برفقة زوجها وابنتهما البالغة عامين، التي جلست على كتفي والدها. وقالت: «نحن سعداء لأنه، حتى لو كانت لن تتذكر ذلك، فإننا نشاركها هذه اللحظة»، فيما تدلّت صليب ذهبي صغير فوق سترتها. وأضافت: «إنها لحظة مهمة بالنسبة إلينا أن نكون محاطين بأشخاص آخرين لديهم الإيمان أيضاً». وجاءت زيارة البابا الأميركي الأول إلى فرنسا قبل سبعة أشهر من توجه الناخبين لاختيار خلف للرئيس الوسطي إيمانويل ماكرون، فيما يسعى اليمين المتطرف المناهض للهجرة إلى اغتنام أفضل فرصة له حتى الآن للوصول إلى الرئاسة. وحضر عدد من المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية، بينهم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان والوسطي إدوار فيليب. ولم يحضر الرئيس إيمانويل ماكرون القداس، ومثّلته زوجته بريجيت. وقالت سوزان غرانج، قبل بدء القداس: «نحن محظوظون للغاية». وأضاف زوجها باسكال: «كنا محظوظين بما يكفي لرؤية البابا يوحنا بولس الثاني في باريس عام 1980». وفي وقت سابق من اليوم، التقى البابا مهاجرين في «ميزون باخيطة»، وهي جمعية تدعم اللاجئين. وقال لاوون إن «من الممكن أن نلتقي بعضنا ببعض وأن نعيش معاً بكرامة وسلام». كما شدد على «الدور الأساسي للمرأة في بناء حضارة المحبة». وقالت الجمعية إن زيارة البابا تحمل «رسالة» قبيل الانتخابات المقررة في نيسان وأيار. وكان نحو 300 ألف شخص قد خرجوا، الجمعة، لمشاهدة البابا وهو يلوّح من سيارته البابوية أثناء توجهه إلى كاتدرائية نوتردام. وقال فرنسوا مابيل، مدير المرصد الجيوسياسي للأديان، لشبكة «آر إم سي» إن «هناك شعوراً بالحماسة يذكّر بما شهدناه قبل أكثر من 40 عاماً مع يوحنا بولس الثاني». وخلال زيارته الجمعة، شدد البابا لاوون على ضرورة اعتماد الأخلاقيات لتجنب الوصول إلى «جنة من الآلات» يقودها الذكاء الاصطناعي، كما دعا فرنسا، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا للعام الخامس، إلى البقاء «بطلاً لا يكل للسلام». كما وصف البابا الشباب، خلال لقائه بهم مساء الجمعة في ملعب خارج باريس، بأنهم «قديسو فرنسا». ومن المقرر أن يتوجه لاوون الرابع عشر، في وقت لاحق السبت، إلى مدينة لورد في جنوب غرب فرنسا، حيث تقول التقاليد الكاثوليكية إن السيدة العذراء ظهرت في مغارة عام 1858 لفتاة من الفلاحين. ويلتقي البابا لاوون الأحد سبعة أشخاص تعرضوا للاعتداء الجنسي من رجال دين. وكان تحقيق أُجري عام 2021 قد خلص إلى أن رجال دين وأعضاء علمانيين في الكنيسة اعتدوا على نحو 330 ألف شخص عندما كانوا قاصرين في فرنسا، على مدى سبعة عقود. وفي المحطة الأخيرة من زيارته، يتوجه لاوون الرابع عشر الاثنين إلى مدينة ميتز، حيث من المقرر أن يلقي كلمة تتناول السلام في أوروبا.