في عامها السابع صارت يتيمة الأب، وفي عامها الثامن خسرت اخاها الأكبر وفي عام النكبة 1948 مشت في الوادي من قريتها طربيخا إلى مشارف رامية، نجت من مقصلة الموت، تركت الجنوب مع اسرتها لتعيش شمالاً، تزوجت من ابي لتعود إلى الجنوب الجنوب، فقدت رضيعها الاول عام 1961، ثم كرت سبحة الإنجاب انجبت 7 اولاد وبنات، في العام 1970 عاشت محنة المواجهة بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني، في عام 1977 فقدت ابنتها الرضيعة بسبب الحرب الاهلية، كانت تطبخ وتخبز وتغسل وتعتني بنا وكانت تزرع الورد في حديقة بيتنا، تفعل كل ما يمكن لأم أن تفعله من أعمال كثيرة . في العام 1978 حملتنا إلى قرية معركة أطفالاً بعيداً عن ذلك الاجتياح الإسرائيلي، كانت تفعل كل شيء من أجلنا وعند المساء تشعل لنا قنديل الليل، توقظنا عند الحاجة كي نترك البيت ونذهب إلى الملجأ احتماء من قذائف جيش سعد حداد، في العام 1982 كان الاجتياح الإسرائيلي الكبير. خسر أبي كل شيء، تركنا منزلنا الذي سرقه جيش الدفاع، عشنا القبضة الحديدية وحرب المخيمات، كانت أمي دائما تفعل ما يتوجب عليها كأم. جاء عام التحرير عام 2000 وصارت طربيخا على مرمى حجر، لم تنس أمي قريتها لم تنس تفصيلا منها، لم تنس الحكايا ولا الألف باء التي تعلمتها على يد الشيخ يوسف من قرية كفرا ولا فرس أبيها ولا حقول الزرع والأشجار والبيوت ولا "بطحة" كلبة البيت. إلى يومنا هذا من العام 2026 لم تتوقف جولات الحروب وما زالت امي تعيش تحت وطأتها… أمي امرأة جنوبية تفتنها حبات الزيتون وتفرح قلبها رائحة الحبق، تعشق مساكب النعناع والبقدونس والفجل، تذهب إلى مجالس العزاء ودائما تدعو الله ان يحفظ الناس أجمعين. اقتربت من التسعين ولا تريد أن تصدق أن القرى التي جاورت طربيخا وارتبطت بأهلها ما عادت موجودة، لا يزال اليهودي يهدد أمن امي وأمن وسلام أمهات كثيرات فقدن فلذات أكبادهن، فقدن معنى الحياة وسط كم من الخسائر لا يستوعبه عقل ولا خيال.