يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم إلى الذاكرة السورية بوصفه محرراً متأخراً يستعيد مشاهد صنعتها الدراما، وصوراً فرضتها آلة إعلامية حكمت البلاد لعقود، وأحياء تركها الإهمال تتداعى، ثم يعيد ترتيبها وفق واقع جديد ورغبات لم تجد مكاناً في الرواية الأصلية. ومنحت أدوات توليد الصور والفيديو، الجمهور قدرة كانت حكراً على المخرج ومحترفي "المونتاج" والسلطة المالكة للأرشيف، وصار المشاهد قادراً على دخول اللقطة وإنقاذ شخصية وصفع متحدث. ويبدو استخدام الذكاء الاصطناعي في الدراما التلفزيونية أقرب إلى تصحيح عاطفي متأخر، حيث تعيد المقاطع المولدة شخصيات إلى الحياة وتجمع حبيبين فرّقهما النص، وتمنح المظلوم فرصة لمواجهة من ظلمه. في مسلسل "الفصول الأربعة"، يعود مازن إلى سوسو وتُطرد ماسة أوغلي باشا "عليّة الشأن والمال" من حفلة الزفاف، في نهاية تنحاز إلى ما تمناه قسم من الجمهور، وفي مقطع آخر تتحسن أحوال عائلة نجيب، وينجب برهوم وشادية طفلاً. أما في مسلسل "أحلام كبيرة"، فتستعاد شخصية وفاء بعد موتها، كي تحمل طفلتها وتعيش معها اللحظة التي حرمها منها المخرج أو الكاتب، وفي مسلسل "رجاها" تخرج البطلة من السجن في نسخة أخرى، ثم تواجه الرجل الذي ظلمها وتصفعه. ويمتد التدخل إلى المسلسل الشعبي الشهير "باب الحارة"، حيث يتم إنقاذ الزعيم قبل أن يقتله صطيف الأعمى، وإلى مسلسل "الحفرة"، حيث تنجو سنا من موتها داخل الصندوق الزجاجي. وتجمع هذه المقاطع شعوراً قديماً بعدم الرضا لأن الشخصية المحبوبة خسرت، والظالم نجا، والحكاية انتهت قبل أن تمنح المشاهد ما انتظره، وهنا يعيد الذكاء الاصطناعي فتح النص بعد إغلاقه ويتيح للجمهور كتابة العدالة التي تناسب علاقته بالشخصيات. وتظهر الفكرة خارج الدراما السورية أيضاً، ففي نسخ معدلة من فيلم "تايتانيك"، ينجو جاك وروز وتستمر حياتهما بعد غرق السفينة، بعض هذه النسخ يمنحهما النهاية الرومانسية التي طالب بها الجمهور طويلاً، فيما يحول بعضها نجاتهما إلى حياة زوجية ساخرة، وفي الحالتين، تتراجع سلطة النهاية الأصلية، ويتحول الفيلم إلى نقطة بداية لحكاية يقررها صانع المحتوى ومتابعوه. يحمل التلاعب بالمقابلات السياسية معنى أشد التصاقاً بالتجربة السورية. خلال السنوات الأولى للثورة، بثت قنوات النظام مقابلات مع أشخاص بالغوا في إعلان ولائهم لبشار الأسد أو كرروا روايات تخدم دعايته. رسخت بعض العبارات في الذاكرة، ثم تحولت إلى مادة للسخرية: "بشار قلبو طيب... قلبو طيب كتير لبشار"، وشاب يتحدث عن الأمان قائلاً إن شقيقته تخرج عند الثالثة صباحاً، بينما كان قصف المدن والأرياف يتصاعد. وفي مقابلة أخرى، روت فتاة أنها خُطفت في الغوطة الشرقية، وقُص شعرها كاملاً وكُسرت يدها، بينما ظهرت أمام الكاميرا بشعر طويل أثار الشك والسخرية من روايتها. وظهرت امرأة تتحدث بفخر عن اعتدائها على متظاهرة طالبت بالحرية، فقالت إنها أمسكت بشعرها وضربتها قبل أن تخاطبها: "بدك حرية؟ هاي الحرية"، لينفجر الواقفون خلفها بالضحك في مقابلة قُدّمت بوصفها عفوية. وبقيت التسجيلات سنوات كما بثها التلفزيون الرسمي يحتل فيها المتحدث الشاشة والمشاهد الغاضب خارجها، والسلطة تحمي الرواية وتمنع الرد. في النسخ المعدلة المتداولة اليوم، يدخل شاب إلى قلب المقابلة، يصفع المتحدث أو يرش الماء عليه أو يلقي الطين فوق رأسه، ثم يطارده خارج الصورة، وتنهار ثقة الشخصية ويحل الصراخ أو البكاء مكان التبجح الذي طبع التسجيل الأصلي. ويقترب هذا النوع من المحتوى من الانتقام الرمزي، فالعنف فيه افتراضي ومعلن في الغالب، والإرضاء الذي يقدمه نابع من استعادة السيطرة على لحظة شعر فيها المشاهد بالعجز وتجاوزت الرغبة في تعديل الماضي إلى رأس النظام البائد نفسه، وتحولت صورة بشار الأسد في مقاطع كثيرة إلى شخصية هزلية تتكلم وتغني وترقص، بعد عقود من بذل إعلام النظام جهداً هائلاً لصناعة صورة الرئيس المهيب. وفي الفيلم القصير "يوم الفصل"، يُقاد الأسد إلى ساحة المرجة وتُصنع له نهاية سياسية لم تتحقق في الواقع. وتكشف هذه الأعمال المسافة بين سقوط النظام وتحقيق العدالة، لأن فرار الأسد ترك لدى السوريين شعوراً بأن النهاية ناقصة، وهنا يملأ الذكاء الاصطناعي هذه الفجوة بمشهد متخيل للمحاسبة، ورغم أن هذه المقاطع لا تحمل بالطبع قيمة قضائية، ولا تمنح الضحايا حقوقهم لكنها تكشف بوضوح شكل النهاية التي يريدها جزء من الجمهور. وتؤدي السخرية نفسها وظيفة سياسية، فحين يظهر الأسد مرتبكاً أو مهاناً أو خائفاً، تتغير علاقته بالصورة العامة وتصبح الشخصية التي احتكرت الشاشات والخطب والتماثيل مادة قابلة للتفكيك وإعادة التركيب، ويشارك الجمهور في إسقاط الهيبة التي بنتها الدعاية حولها. كما انتقل التغيير الرقمي من الأشخاص والأحداث إلى المكان، عبر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإعادة تأهيل