ها هي أيام الجوز في جرجوع. وكما أقول دائماً، فإن تقويمي السنوي يبدأ وينتهي مع موسم فرط الجوز في قريتي، وحين يحلّ هذا الموسم، تكون، وبالنسبة إليّ، سنةٌ قد انتهت، وأخرى قد بدأت. وبما أن آباءنا وأجدادنا كانوا يختارون زراعة الجوز في أطراف حقولهم، كي لا تؤذي ظلال أشجاره وفيؤها المزروعات الصيفية في الوسط، ولكي لا تشغل مساحةً يستطيعون الإستفادة منها في زراعة أشجارٍ مثمرةٍ أخرى، فإن تلك الأماكن كانت موطناً لنبات العلّيق الشقي، الذي لم تكن السيطرة عليه أمراً سهلاً ولا سيما في بيئةٍ خصبةٍ ورطبةٍ على مدار العام. ورغم وقاحة العلّيق، بأشواكه ونموّه المتواصل الذي لا يهدأ ما دامت جذوره تضخّ الماء من الأسفل، فإن ثماره، بطعمها الغريب، والتي كنا نتسابق والعصافير على إلتهامها، كانت تشفع له، وتجعله قريباً من قلوبنا، شأنه في ذلك شأن باقي الأشجار المثمرة. يتزامن نضوج "كبوش العلّيق" مع موسم "فرط الجوز". كان أبي، وقبل رحلة صعوده إلى "أعالي" شجرة الجوز مع العصا الطويلة التي نطلق عليها في القرية اسم "المِفراط"، يستلّ منجله الذي كان يُشهِرُه دائماً تحت حزامه من الجهة الخلفية، ليبدأ بإنشاء ما يشبه الدهاليز داخل نبات العلّيق، وذلك لتسهيل مهمتنا في البحث عن حبات الجوز التي لا بد أن تسقط هناك. كان الدخول في تلك الدهاليز ينقلنا إلى عالم آخر، عالم بالكاد يتسلل إليه النور، وكأن أغصان العلّيق وأوراقه وأشواكه قد نسجت فوق رؤوسنا سقفاً كثيفاً يعزلنا عن العالم من حولنا. قبل دخول تلك الدهاليز، كنا نتسابق على التهام "الكبوش" الناضجة، التي أطاح منجل أبي بالفروع الطويلة التي تحملها. كنا نخزّن في جوفنا الكثير منها، قبل أن يحمل كلٌّ منا سلّةً أو وعاءً ليضع فيه حبات الجوز التي كانت تتساقط بغزارة على "العلّيقة"، فتخفّف من سرعة سقوطها، وتجعلها تتدحرج بيننا بسلام. في كلّ الأمكنة تُنتج الرطوبة عفناً وخراباً، إلا تحت علّيق نهر جرجوع. فهي، عندما تلتحم بما يصدر من قشور حبات الجوز الخضراء، وبالرائحة المنبعثة من الأغصان الطازجة المقصوصة حديثاً، تمنحنا ما يشبه العطر الذي لا يستطيع جميع العطّارين فهم تعقيداتها. عطرٌ كان يضخّ في أرواحنا نشوةً لا يعرفها سوانا. عطرٌ لو أُتيح لنا أن نلتهمه لفعلنا، كأننا أمام خلاصة الأشياء الجميلة كلّها، وقد اجتمعت في رائحة واحدة. عطرٌ لو تجسّد في لوحة، لعلّقناها أمام أعيننا، وظللنا نتأملها إلى الأبد. كانت حبوب الجوز في جرجوع بذور حياتنا، وحياة حقولنا على ضفّتَي النهر، كما كانت بذور نبات الحبق في ديارنا. كان نبات الحبق، وفي أيام "فرط الجوز" تحديداً، يبثّ رائحته من دون أن "نهزّه". كان يحاول أن يُشبع ديارنا وبيوتنا الفلاحية بعطره قبل أن يُنهي صيفه ويرحل، تاركاً لنا بذوره. وكأنه كان يقول لنا: لا تنسوا رائحتي، وها أنا، قبل رحيلي، سأترك لكم بذوري كي لا أغيب عنكم في السنة القادمة.