ثمة غرام بريطاني بأفلام النضوج، ويضيف المخرج عمران بيريتا فيلماً آخر إلى ذلك الرصيد، بعمله السينمائي الأول، "إيش" (2025). وذلك من خلال قصة الصديقين المقربين، إيش (اسم التدليل لإشماعيل) ذي الأصول الباكستانية، ومرام الأكبر سناً والذي تسميه جدة إيش "الولد الفلسطيني". تدور الأحداث في بلدة "لوتون" الواقعة تحت خط الملاحة الجوي المتجه إلى أحد مطارات مدار لندن. الطائرات التي تشبه في قربها من الأرض، وحوشاً مجنحة في سبيلها للانقضاض، ترسم بضخامتها للعين المجردة وبضجيجها بؤس المدينة الأقرب إلى ضاحية بعيدة للعاصمة. يصارع إيش مشاعر الرثاء بعد فقده والدته ويجد التعزية في صحبة مرام. ببراءة يلهو الاثنان، يلتقطان التوت البري من الغابة القريبة، ويبنيان مخبأ لهما هناك، وتتخلل هذا جولاتهما بالدراجة في مواجهة الريح على وقع موسيقى تثير خليط مشاعر توحي بالانطلاق والشجن معاً. في الخلفية، تتكرّر التقارير الإخبارية عن الحرب الأخيرة على غزة. في مشهد مبكر يكشف مرام لصديقه سكيناً صغيرة يحتفظ بها في مخبئة في الغابة، حتى يكون مستعداً لمواجهة خصومه، "ألآي دي أف" (جيش الدفاع الإسرائيلي)، ويخبره أن هذه الحرب لن تبقى بعيدة بل سيأتون إليهم هنا. لوهلة، تبدو طائرات مطار لوتون وكأنها استعارة لأشياء أخرى، قد تكون متعلقة بتلك الحرب البعيدة، والقريبة أيضاً. في الكلاسيكيات البريطانية الواقعية، من فيلم "كيس" (1965) لكين لوتش عن فترة الستينيات مروراً بفيلم "هذه هي إنكلترا" (2006) لشان ميدوز عن حقبة الثمانينات، يصور النضوج بوصفه مواجهة متمردة ضد الفقر أو بوصفه هروباً نحو هويات جمعية للتعويض عن تفتت المجتمع. وحتى في الأفلام الأحدث، مثل روكس (2019) للمخرجة سارة غافرون، تظل الضواحي بالرغم من قسوتها مساحات حيوية للتضامن. يأخذ فيلم "إيش" مسافة من ذلك التراث الرومانسي للمراهقة، وإن ظل قريباً منها وهو يعالج مراهقة الجيل الثاني والثالث من المهاجرين. كيف لفتيَين مسلمين أن ينضجا في ظل الإبادة؟ تنهار الصداقة البريئة بين الصبيين على محك الاختبار، وذلك حين يتعرض مرام لعملية "توقيف وتفتيش" من قبل الشرطة بعد أن ترصده كاميرا للمراقبة، بينما يلوذ إيش بالفرار. لا تمرد هنا ولا تضامن، بل تبدو المراهقة لصبيَين ملونَين، في ظل منظومة التصنيف العرقي وتقنية التعرف على الوجوه، تدريباً على البقاء، وبالأخص حين تظهر ممارسات الشرطة في الداخل وكأنها وجه آخر للحرب البعيدة. يشعر مرام بالمهانة بعد أن يستجوبه رجال الشرطة عن المسجد المحلي وأشياء أخرى، والأسوأ أنه يشعر بالخيانة من قبل إيش، وبعدها يبدأ تجاهل صديقه القديم ويكتفي بصحبة مراهقين أكبر سناً. يستلهم الفيلم أحد كلاسيكيات أفلام الضواحي الفرنسية الأشهر، "الكراهية" (1995) لماتيو كاسوفيتز، وبالأخص في الاختيار الأبيض والأسود للفيلم. لكن، وبينما انغمس الفيلم الفرنسي في فورة من العنف والغضب الدموي في مواجهة الشرطة وصولاً إلى نهايات مأسوية، يبدو فتيان لوتون محرومين حتى من هذا الغضب. ولدى اندفاعهم نحو نوع من التمرد، ينحرف غضبهم ويتجه نحو الهدف الخطأ، فيسرقون محلاً يملكه مهاجر آخر، أو يأخذ عنفهم شكلاً رمزياً، بإطلاق إلعاب نارية بكثافة في سماء بلدتهم، وينتهي الأمر بإلقاء القبض عليهم. بعد أن يفقد إيش براءة الطفولة، يجد ملاذه في المنزل، مع أب عطوف وأخت شابة متفهمة، ومع الجدة التي تتحدث معه بالأوردية وتشجعه على الصلاة معها، وتطلب منه أن يدير وجهه بعيداً حين تدخن سيجارتها اليومية في حديقة المنزل. ينجو إيش، والنجاة على خلفية الإبادة حدث فردي، أما الفتي الفلسطيني فيبدو وكأن مصيره قد أصبح محتوماً.