بعيداً من الخطاب الصيني الداعي إلى التهدئة في الشرق الأوسط، تكشف حركة التجارة والشحن بين بكين وطهران وجهاً آخر للعلاقة بين البلدين. فمن النفط الى المكونات المستخدمة في المسيّرات والصواريخ، تحولت الصين إلى أحد أبرز الشرايين التي تساعد إيران على تمويل حربها وتجديد قدراتها العسكرية في مواجهة الولايات المتحدة. وبحسب بيانات الجمارك الإيرانية التي حللتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، وصلت نحو 1300 شحنة تضم مكونات "مزدوجة الاستخدام" من الصين إلى وزارة الدفاع الإيرانية منذ بداية العام وحتى نهاية حزيران/يونيو. وشملت أجهزة إلكترونية يمكن استخدامها في قطع غيار المسيّرات وأنظمة توجيه الصواريخ. مع تشديد البحرية الأميركية الحصار على التجارة البحرية الإيرانية، ازدادت أهمية الطريق الجوي. وتكشف السجلات وصول أجهزة "جي بي اس" ومحركات كهربائية وأجزاء من محركات الطائرات إلى مطار الإمام الخميني، فيما يرى خبراء دفاع أن هذا الجسر بات مساراً مهماً لإمداد برامج المسيّرات والصواريخ الباليستية الإيرانية. وتوسعت الرحلات سريعاً. فرفعت شركة "ماهان إير" الايرانية عدد رحلاتها من الصين إلى طهران من أربع أسبوعياً في بداية آذار/مارس إلى نحو 27 في نهاية نيسان/ابريل. وفي الأسبوع الأول من أيلول وحده، سجلت 39 رحلة من الصين إلى إيران، بدا أن عدداً منها مخصص للشحن لا لنقل الركاب. وتكشف طبيعة الشحنات أهمية أكبر من مجرد حجمها. فباحثون يتتبعون التجارة الإيرانية وجدوا مكونات يمكن استخدامها في تصنيع مسيّرات "شاهد"، فيما أعلنت شركات صينية هذا العام بيع إلكترونيات حساسة من النوع الموجود في هذه المسيّرات. كما فرضت واشنطن عقوبات على شركات في الصين وهونغ كونغ اتهمتها بمساعدة إيران في الحصول على أسلحة، بينها قاذفات صواريخ محمولة على الكتف. ويمتد الدعم إلى سلسلة إنتاج الصواريخ. فقد صدّرت شركات صينية إلى إيران مواد كيميائية تستخدم في صناعة الوقود الدفعي للصواريخ الباليستية، وهي إمدادات اكتسبت أهمية إضافية مع سعي طهران إلى إعادة بناء ترسانتها. جنود من مشاة البحرية الأميركية صعدوا على متن ناقلة نفط تجارية ترفع العلم الإيراني يُشتبه في أنها حاولت انتهاك الحصار الأميركي في 20 ايار. (مشاة البحرية الأميركية) أما اقتصادياً، فالصين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية، ما يوفر لطهران مليارات الدولارات. وتساعد شبكة من الشركات والبنوك الصينية في تمرير الأموال باليوان، فيما استمرت تدفقات النفط حتى بعد تشديد واشنطن حملتها: نحو أربعة ملايين برميل وصلت إلى الصين في الأسبوع الذي أعقب إطلاق "عملية المنبوذ الاقتصادي" في واشنطن، وهي حملة ضغط مالي وعقوبات غير مسبوقة أعلنت عنها واشنطن في آب/أغسطس، بهدف قطع سائر الشرايين التجارية والمالية لإيران وعزلها عن النظام العالمي. وتنفي بكين خرق القواعد الدولية، وتؤكد أنها تنظّم صادرات المواد المزدوجة الاستخدام وتعارض العقوبات الأميركية الأحادية. لكن بالنسبة إلى واشنطن، باتت المشكلة أوسع من تجارة بين حليفين: إنها شبكة مالية ولوجستية وتكنولوجية تساعد إيران على الالتفاف على الضغط الأميركي والاستمرار في إعادة بناء قدراتها العسكرية. ويقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس الياس لـ"النهار" إنه "يمكن القول إن الصين باتت تمثل أحد أهم عناصر القدرة الإيرانية على الصمود أمام الضغوط الأميركية"، مشيراً الى ضرورة "التمييز بين الاعتماد الاقتصادي والاعتماد العسكري". فعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت السوق الصينية منفذاً رئيسياً للنفط الإيراني ومصدراً مهماً للعملة والسلع والتكنولوجيا، وهو ما يوفر لطهران مساحةً للتحرك خارج منظومة العقوبات الأميركية ويخفف جزئياً من آثار العزلة المالية والتجارية. أما عسكرياً، فيشدد على أن "الصورة أكثر تعقيداً"، لافتاً الى أن "إيران تمتلك قاعدة صناعية محلية متقدمة نسبياً في إنتاج الصواريخ والمسيّرات، لكنها لا تزال بحاجة إلى بعض المكونات الإلكترونية والمحركات وأجهزة الملاحة والمواد والتقنيات المزدوجة الاستخدام. وهنا تبرز أهمية الصين بصفتها مصدراً واسعاً لهذه المكونات، سواء عبر التجارة المباشرة أو شبكات الشركات والوسطاء، بما يساعد إيران على المحافظة على خطوط الإنتاج وتعويض جانب من الاستنزاف الذي تتعرض له قدراتها العسكرية". ولا يرى أن "المسألة تتعلق بتحول إيران إلى دولة تعتمد عسكرياً على الصين بصورة كاملة، بقدر ما تتعلق باعتماد متزايد على الصين في استدامة القدرة العسكرية الإيرانية. وهذا فارق مهم؛ لأن الجزء الأكبر من المنظومات الإيرانية يبقى محلي الإنتاج، بينما تكمن أهمية الخارج في توفير المكونات التي يصعب إنتاجها محلياً أو التي تحتاج طهران إلى كميات كبيرة منها خلال فترات الحرب والاستنزاف". ويشير الى أن التأثير الصيني يظ