لا يزال هناك تدخل عائلي ووساطات لمساعدة شاب أو فتاة على تأمين الشريكة المناسبة أو الشريك المناسب والاستقرار عبر تدبير لقاءات مدبرة. وعلى رغم الوعي المجتمعي والمرحلة التي بلغتها المرأة في إثبات قدراتها، لا يزال البعض يربط قيمتها بوجودها في إطار المؤسسة الزوجية، وإن كانت متفوقة مهنياً وأكاديمياً. هناك اعتقاد بأن مفهوم "العنوسة" الذي يشير إلى من تجاوز سن الزواج المعتادة من دون الارتباط غير موجود إلا في مجتمعاتنا العربية. ويبدو أيضاً وكأن الزواج لا يرتبط بسن معينة في المجتمعات الغربية، إلا أن هذا ليس صحيحاً في الواقع، لأن المفهوم موجود في العالم العربي كما في المجتمعات الغربية، إلا أنه يبقى نسبياً ويختلف باختلاف الثقافات والظروف الاقتصادية وأنماط المعيشة من نواح عديدة، بالتالي لا يمكن تحديد سن زواج على مستوى عالمي، واعتبار أن تخطيها يؤدي إلى دخول مرحلة العنوسة، حتى إن هذه السن اختلفت أيضاً عبر التاريخ، فما طبق من عقود أو قرون مضت، لا ينطبق على أيامنا هذه مع اختلاف سن الزواج بسبب عوامل عديدة أدت دوراً في ذلك، واللافت أن ثمة عادات وتقاليد ترتبط بهذا المفهوم، وقد بقيت حاضرة مع مرور الزمن، على رغم كل التحولات التي سجلت عبر التاريخ، سواء في مجتمعنا أو في الغرب. في هولندا حتى اليوم، يرش البعض القرفة على من تأخر في الزواج (وسائل التواصل الاجتماعي) في المجتمعات الغربية اليوم، استبدل مصطلح "العنوسة" بمصطلحات أخرى مثل "تأخر سن الزواج" أو ما عرف بـ"العزوبية الاختيارية". ففي عصرنا هذا لا يرتبط مفهوم العنوسة بالدلالات الاجتماعية نفسها الموجودة في ثقافات أخرى، إذ يعد تأخير سن الزواج اختياراً شخصياً، وعلى رغم هذا التغيير في سن الزواج وتأخيره سنوات عديدة، لا تزال تقاليد معينة ترتبط بمفهوم "العنوسة" حاضرة في مجتمعات عديدة فيما اندثر بعضها الآخر. ومن العادات اللافتة التي ترتبط بالعنوسة في الغرب: -رشق البندورة والبيض في بعض القرى اليونانية، حيث يمارس نوع من الضغط الاجتماعي المرتبط بالفكاهة على العازب، في مهرجانات معينة. فتجرى ملاحقته بالبندورة والبيض وببعض الألعاب كشكل من أشكال الدعابة لتشجيعه على الإقدام على خطوة الزواج. -تنظيف سلالم البلدية أو الكنيسة في ألمانيا إذا أتم الرجل 30 سنة ولم يتزوج بعد، فيجبره أصدقاؤه على كنس السلالم العامة. أما النساء العازبات فيقمن بتنظيف مقابض الأبواب. -رش القرفة والفلفل في الدنمارك إذا أتم فرد عمر 25 سنة ولم يتزوج بعد، فيقوم أصدقاؤه برشه بالقرفة طوال اليوم بعد ربطه على عمود أو شجرة. وإذا بقي عازباً حتى عمر 30 سنة تستبدل القرفة بالفلفل الأسود المطحون، علماً أن جذور هذه العادة تعود إلى ستينيات القرن الماضي في شمال الدنمارك وهي مستوحاة تاريخياً من تجار التوابل في القرن الـ16 الذين كان ترحالهم الدائم ينسيهم فكرة الزواج. -صناديق قديمة أو علب كرتون للشخص الأعزب في حال الزواج المتأخر في ألمانيا كرمز ودلالة للشخص الأعزب على أنه أصبح قديماً أو خارج الخدمة. -يوم القديسة كاترين في فرنسا الذي يحتفل به في الـ25 من نوفمبر (تشرين الثاني)، وترتدي فيه النساء اللاتي بلغن 25 سنة ولا يزلن من دون زواج، قبعات غريبة وملونة باللونين الأخضر والأصفر رمزاً للأمل والإيمان ويطلق عليهن اسم "الكاترينيات". في العالم العربي أيضاً، ارتبط مفهوم "العنوسة" أو تأخر سن الزواج بمجموعة من التقاليد والموروثات الثقافية أيضاً. وفيما اندثر قسم منها، بقي القسم الآخر متجذراً في عديد من المجتمعات العربية، لكن ما يبدو مختلفاً في العالم العربي أن معظم هذه العادات التي تتعلق بمفهوم العنوسة، ارتبطت بفكرة "فك الحسد" أو السحر أكثر من كونها عادات فيها حس الفكاهة كما في الغرب: -الاغتسال بماء زمزم أو القراءة واللجوء إلى الرقية الشرعية كاختيار ديني واجتماعي سائد لبث التفاؤل وتيسير الأمور للزواج. -البخور والتمائم، إذ تستخدم أنواع معينة من البخور في بعض بلدان المغرب العربي ومصر لطرد العين والحسد التي ثمة اعتقاد بأنها تمنع الزواج والخطاب. -زيارة المقامات والأولياء، ففي بعض دول المغرب العربي ومصر، تزور الفتاة أولياء صالحين لطلب البركة والدعاء وتيسير الزواج. -الاغتسال بماء خاص مثل ماء زمزم اعتقاداً بأن ذلك قد يحسن نصيب الفتاة. -البخور والأعشاب لتبخير الفتاة بهدف طرد الحسد أو السحر الذي يعتقد أنه يعطل زواجها. -اللجوء إلى المشعوذين وتنتشر في بعض المجتمعات ظاهرة اللجوء إليهم لكتابة حجاب أو تميمة للفتاة. -ترتيب الزواج بحسب السن والالتزام بتقليد عدم زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى، مما قد يسبب تأخر زواج الشقيقات الأخريات. حصلت تحولات كبرى في سن الزواج مع مرور السنوات، وذلك في مختلف دول العالم. وأدت عوامل عديدة دوراً في ذلك، وإن كانت بعض التقاليد قد بقيت موجودة في مناطق