لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، التي التقى فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقدر تطلعات من انتظر نتائج فعلية وإعلانات كبيرة على مستوى قضايا مصيرية عالمية، كالذكاء الاصطناعي الذي بات يخرج عن السيطرة، أو حرب إيران التي لم تنته ولا أفق لحلولها الديبلوماسية، أو إشكالية تايوان بظل الجمود القائم حولها وعدم إيفاء ترامب بتعهدات سابقة مرتبطة بشحنات تسليحية. انهالت الانتقادات على الزيارة وما رافقها من إبداء مشاعر صداقة وترحيب وحفاوة مبالغ بها بين ترامب وشي دون أن يصدر عنها أي مواقف أو حلول جذرية مرتبطة بالقضايا المذكورة سلفاً، في وقت ينتظر المجتمع الدولي تنظيم العلاقات بين الصين والولايات المتحدة وتأطير السباق بينهما لضمان تفادي الصدامات المرجحة والمتوقعة في مجالات التكنولوجيا والنفوذ في شرق آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى حلول مرتبطة بإيران وأزمة الطاقة العالمية. شي يلقي السلام على ملانيا ترامب بعد العودة من الأرشيف الوطني خلال زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة. (ا ف ب) المباحثات بين الزعيمين الاميركي والصيني جاءت خلف أبواب مقفلة، ولا زالت بمجملها سرية ولم يتم تسريبها. من المؤكد أن هذه النقاشات تطرقت إلى الملفات الحساسة والقضايا المذكورة المشتركة، لكن توصّل ترامب وشي إلى مساحات مشتركة وحلول هو موضع شك، وما عزز هذه الشكوك كان غياب الإعلان عن أي إعلانات أو خطوات أو إجراءات مرتبطة بهذه الملفات. أبرز الانتقادات جاءت في صحيفة "نيويورك تايمز" بمقال حمل عنوان: "مع مغادرة شي واشنطن، لا تزال الانقسامات تتفاعل تحت السطح"، يعتبر فيه الكاتبان زولان كانو يونغ وديفيد سانغر أن زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن "خلت من إعلانات ملموسة بشأن السياسات المتعلقة ببعض أكثر القضايا إلحاحاً في العصر الراهن"، ويضيفان: "لم يكن لدى زعيمي أكبر اقتصادين وقوتين عظميين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم ما يقدمانه أو يعلنانه بخلاف مظاهر الاحتفاء الرسمية". أثارت مشاعر الود "المبالغ بها" التي أظهرها ترامب أسئلة كثيرة حول تأثيرها الفعلي في تنظيم السباق بين الولايات المتحدة والصين وإحداث اختراقات حقيقية في الملفات الشائكة بين الطرفين، وإمكانية استبادل هذه المشاعر للحلول الفعلية والإعلانات الملموسة والتي كانت منتظرة خلال هذه القمّة، كون مهارات ترامب الشخصية لا يمكن أن تمنع الصدام، وتأثيرها قد يكون محدوداً إلى حد كبير، كون شركات التكنولوجيا والطاقة الصينية تواصل حركتها بشكل مكثّف. ركز ترامب على متانة علاقته الشخصية بشي، وكأن هذه العلاقة تشكل "درعاً" يحميه من الأسئلة الصعبة وفق "نيويورك تايمز"؛ سواء تلك المتعلقة بمساعدة شركات صينية لإيران بصور الأقمار الصناعية التي استخدمتها طهران لشن هجمات في المنطقة، أو النمو المتسارع للبرنامج النووي الصيني، أو المطالبات الإقليمية للصين في بحر الصين الجنوبي. وفي هذا الصدد، يقول جوليان غيويرتز -وهو مسؤول سابق عن ملف الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن وباحث حالي في جامعة كولومبيا: "لقد حصر ترامب التحدي الهائل للعلاقات الأميركية الصينية بشكل متزايد في نطاق ضيق يتمثل في علاقته الشخصية بشي". ويضيف قائلاً: "يبدو أنه إما غير مدرك أو غير مبالٍ بمساعي بكين الرامية إلى تحويل حالة الاستقرار الراهنة إلى قيود تفرض مستقبلاً على السياسة الأميركية". لم تصدر أي إعلانات جديدة بشأن كيفية كبح جماح الذكاء الاصطناعي، وذلك رغم صيف شهد خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن "بيئات الاختبار" المخصصة لها، وقيامها بشن هجمات سيبرانية من تلقاء نفسها ومحو آثارها. وكان ترامب قد استبق النقاش عبر وسائل التواصل الاجتماعي - في منشور نُشر قبل ساعات من وصول شي - معلناً أن الذكاء الاصطناعي "سيكون موضوعاً رئيسياً للنقاش"، لكن لا اتفاقات أعلنت في هذا الصدد. غير أن الزعيم الصيني شدد، في كلمته الافتتاحية، على ضرورة وجود "تحكم بشري" في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهي مسألة تجنب ترامب الخوض فيها. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانا قد ناقشا هذا الموضوع باستفاضة في جلسة خاصة. ويحيط الغموض ذاته بمحادثاتهما بشأن تايوان؛ إذ كان ترامب قد صرح للصحافيين - أثناء عودته من زيارة للصين في شهر أيار/مايو - بأنه سيتخذ قريباً قراراً بشأن حزمة أسلحة جديدة لتايوان، وذلك بعد التشاور مع "زعيم" تايوان. لكن ترامب لم يعلن عن أي قرار بهذا الشأن. وبالتالي، وبانتظار نتائج محتملة لمباحثات ترامب وشي التي جرت خلف الكواليس، ستبقى انتقادات الزيارة مستمرة لطالما لم يتم الإعلان عن اختراقات محدّدة وحلول مرتبطة بقضايا الذكاء الاصطناعي وإيران وسباق النفوذ في المحيط الهادئ.