لم تتشكل "الجماعة الإسلامية" في لبنان بوصفها تنظيماً سياسياً أو عسكرياً منذ بداياتها، بل انبثقت من بيئة دعوية وإصلاحية تحوّلت تدريجياً نحو العمل الإسلامي المنظم، قبل أن تجد نفسها أمام أسئلة السياسة والعمل البرلماني والمقاومة المسلحة. وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، تنقّلت الجماعة بين هذه المسارات من دون أن تستقر بصورة نهائية في أحدها، أو تتحول إلى القوة السُّنية الرئيسية في البلاد، أو إلى تنظيم مقاوم يماثل "حزب الله" في الحجم والدور. وفي دراسة بعنوان "الجماعة الإسلامية في لبنان: من الجذور الفكرية إلى مقصلة التصنيف الأمريكي"، نشرها "معهد السياسة والمجتمع"، تقدم الباحثة ميرا مشعل قراءة مركزة لهذا المسار من الجذور الفكرية وصولاً إلى موقع الجماعة الحالي في المشهدين؛ اللبناني والإقليمي. وترى مشعل أنّ تجربة "الجماعة" قامت على التنقُّل بدرجات متفاوتة بين ثلاثة أدوار رئيسية: الدعوة والعمل السياسي والمقاومة، وظلت علاقتها بكل دور منها مرهونة بتحوّلات البيئة المحيطة. وتشير الدراسة إلى أنّ "الجماعة" دخلت اليوم مرحلة "إعادة تعريف" لدورها، لا سيّما بعد استئناف "قوات الفجر" نشاطها على الجبهة الجنوبية عقب حرب غزة، وما رافق ذلك من إعادة طرح لموقعها في معادلة المقاومة وعلاقتها بـ "حزب الله"، وانتهاء بالتطور المتمثل بالتصنيف الأمريكي الأخير. من "عباد الرحمن" إلى "الجماعة الإسلامية" تعود جذور الجماعة، بحسب الدراسة، إلى جماعة "عباد الرحمن" التي تأسست في بيروت عام 1950 على يد الداعية محمد عمر الداعوق، وأسهمت مجلة "الدعوة" في نقل أفكار جماعة الإخوان المسلمين إلى المجال اللبناني، وبرز فتحي يكن لاحقاً بوصفه الشخصية الأبرز في انتقال هذا النشاط نحو صيغة أكثر تنظيماً. وفي عام 1959 انفصلت مجموعة طرابلسية يقودها يكن عن "عباد الرحمن" في بيروت، وتقرأ الباحثة هذه الخطوة باعتبارها تعبيراً مبكراً عن اختلاف في تصور العمل الإسلامي؛ بين نموذج دعوي وإصلاحي ذي طابع خيري، ونموذج آخر أكثر شمولاً في العمل والتنظيم، تأثر بأدبيات الإخوان المسلمين، ولا سيّما أفكار سيد قطب ومصطفى السباعي. وظهر الاختلاف أيضاً في التعامل مع أحداث لبنان؛ ففي أزمة عام 1958 حافظت قيادة بيروت على موقف أقرب إلى الحياد، بينما اتجهت المجموعة في طرابلس إلى نشاط أكثر حركية، فأنشأت إذاعة "صوت لبنان الحر" وشكلت كوادر ميدانية. وتشير الدراسة إلى زيارة المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي إلى لبنان عام 1954 باعتبارها إحدى المحطات التي عزّزت الصلة الفكرية والتنظيمية بين النشاط الإسلامي اللبناني والحركة الأم. وفي عام 1964 أخذت الجماعة الإسلامية شكلها التنظيمي بصورة أوضح، مع افتتاح مركز لها في بيروت، وتولّي فتحي يكن أمانتها العامة الأولى، إلى جانب شخصيات من بينها؛ فايز عيالي ومحمد كريمة ومحمد دريدي وإبراهيم المصري، وأصدرت الجماعة وثيقة بعنوان "الجماعة الإسلامية: المبادئ والأهداف"، عكست توجّهاً نحو العمل الإسلامي المنظم الذي يتجاوز حدود الوعظ الفردي. لم يبقِ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 الجماعة خارج التحوُّلات الأمنية والعسكرية، وتذكر الدراسة أنّ الجماعة اتّجهت إلى تشكيل "المجاهدين" في الشمال بوصفهم قوة ذات طابع دفاعي، ضمّت عناصر من خارج التنظيم أيضاً، قبل أن يجري حلّها بعد التدخّل السوري عام 1976. ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليفتح مرحلة مختلفة؛ ففي صيدا أُعيد تفعيل "قوات الفجر" بوصفها التشكيل العسكري المرتبط بالجماعة، وانتقل نشاطها، وفق الدراسة، من إطار الدفاع المحلي إلى تصور أوسع للمقاومة ضد إسرائيل. غير أنّ الانتقال إلى العمل العسكري لم يكن خالياً من التوتر داخل التنظيم؛ فبحسب ما أوردته الباحثة، برزت مسافة بين قيادة سياسية أكثر حذراً وقيادات ميدانية دفعت نحو نشاط عسكري أوسع، ووصلت بعض العمليات إلى التنفيذ قبل الحصول على موافقة تنظيمية واضحة، وقبل أن تخضع البنية العسكرية لاحقاً لضوابط تنظيمية أكثر سرّية. ومع انتهاء الحرب الأهلية، وإقرار اتفاق الطائف، ثم صعود "حزب الله" بوصفه القوة العسكرية الرئيسية في مواجهة إسرائيل، تقلّص المجال المتاح أمام "قوات الفجر"، فلم تتحوّل الجماعة إلى قوة مقاومة موازية، وظل حضورها العسكري محدوداً مقارنة بـ "حزب الله". وهنا تتبلور إحدى السمات التي تراها الدراسة أساسية في مسار الجماعة؛ فهي لم تتخلَّ تماماً عن خيار المقاومة، لكنّها في الوقت نفسه لم تتحول إلى تنظيم عسكري مركزي، وظلت تتحرك بين النشاط الدعوي والسياسي وبين حضور عسكري محدود. السياسة والبرلمان: حضور متقطّع من دون تمثيل سُنّي واسع دخلت الجماعة الانتخابات النيابية منذ عام 1972، إلا أنّ حضورها السياسي ظل متفاوتاً تبعاً للتحوُّلات التي شهدها لبنان، وتضع الدراسة انتخابات 1992 في موقع