في الدول الطبيعية تكون المراسم تفصيلاً بروتوكولياً يُدار في مكتبٍ جانبي. أما في لبنان، فالمراسم ليست تفصيلاً، لأنها الخريطة المصغّرة لتوزيع السلطة. من يستقبل، ومن يرعى، ومن يوقّع، ومن يُبلَّغ متأخراً: هذه ليست أسئلة أناقةٍ رسمية، بل أسئلة تعود بنا إلى جوهر النظام الذي أنشأه الطائف، وإلى تجربةٍ مريرة تعلّمنا فيها أن العلاقة مع دمشق حين تُدار خارج المؤسسات تتحوّل، مع الوقت، إلى علاقةٍ بين أشخاص لا بين دولتين. لذلك فإن ما رافق زيارة الوفد الوزاري السوري إلى بيروت والمنتدى اللبناني - السوري للاستثمار لا يستحق التهويل، لكنه لا يحتمل التهوين أيضاً. فما تناقلته الصحافة عن أن رئاسة الحكومة لم تكن شريكة في ترتيبات الزيارة وأنها علمت بها متأخرة، لم يصدر في شأنه توضيحٌ رسمي ينفيه أو يؤكده. وهذا الصمت نفسه جزءٌ من المشكلة. لنبدأ من الوقائع المعلنة لا من الروايات. عُقد المنتدى في بيروت برعاية رئيس الجمهورية ممثَّلاً بوزير الاقتصاد والتجارة، واستُقبل في قصر بعبدا وفدٌ سوري رسمي ضمّ وزراء الاقتصاد والصناعة والصحة والسياحة والزراعة والنقل ورؤساء هيئات الاستثمار والطيران، بحضور سفير لبنان في دمشق ورئيس الهيئات الاقتصادية ورجال أعمال. وقيل في الخطب كلامٌ لا يمكن لعاقلٍ أن يعترض عليه: تكاملٌ اقتصادي على قاعدة التوازن والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهذا، في جوهره، توجّهٌ صحيح ومتأخر: لبنان وسوريا جاران بالجغرافيا لا بالاختيار، وإدارة هذا الجوار بالاقتصاد أفضل ألف مرة من إدارته بالأمن أو بالوصاية. فالمأخذ إذاً ليس على المضمون، بل على الطريقة. ومن الإنصاف أن نقول إن جزءاً من الخلل ظرفي: كان رئيس الحكومة يترأس وفد لبنان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم انتقل إلى واشنطن، فيما كان الملف الاقتصادي يتقدّم في بيروت. غياب الرجل عن العاصمة يفسّر تعذّر حضوره، لكنه لا يفسّر تعذّر إشراكه. فالحكومة ليست شخص رئيسها، والسراي الحكومي لا يسافر مع من يرأسه. غير أن ما فعله رئيس الحكومة من نيويورك كان أذكى بكثير من أي سجالٍ داخلي: بدل أن يحتجّ على صورةٍ في بيروت، صنع صورةً أهم منها. فقد التقى الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش الجمعية العامة، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ونظيره السوري، وأعلن بعد اللقاء أن العمل جارٍ على صفحةٍ جديدة تقوم على الثقة وعدم التدخل والمصالح المشتركة، وأن البحث تناول ضرورة إنجاز مراجعة الاتفاقات بين البلدين لتكون قاعدةً للاجتماع الأول للجنة العليا المشتركة التي أُنشئت في بيروت، كي لا تبقى حبراً على ورق، إضافةً إلى مشاريع الربط في الكهرباء والسكك والطاقة. ومن الجهة المقابلة جاء الاعتراف السوري بأن الإرث القديم ثقيل وأن المطلوب بناء علاقةٍ جديدة على قاعدة الاقتصاد. هذا هو التوازن بمعناه المؤسسي لا الكيدي: رئيس الجمهورية يفتح باب الاقتصاد في بعبدا، ورئيس الحكومة يضع للباب إطاراً قانونياً في نيويورك. والفارق بين الأمرين ليس صراع صلاحيات، بل تكاملٌ إذا أُحسن تنظيمه، وازدواجية إذا تُرك على عواهنه. ودستورياً، لا بدّ من التدقيق بدل التعميم، لأن الخلط هنا لا يخدم إلا المزايدين. رعاية منتدى اقتصادي ليست عملاً قانونياً، بل بادرة رمزية يملكها رئيس الجمهورية بصفته رمز وحدة الوطن، ولا مخالفة دستورية في أن يرعى أو يستقبل وفداً زائراً. لكنّ ما يلي الرعاية هو المسألة. فالمادة 65 من الدستور تُناط بموجبها السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً وهو الذي يضع السياسة العامة في جميع المجالات، والمادة 64 تجعل رئيس الحكومة رئيساً لها والناطق باسمها ومسؤولاً عن تنفيذ سياستها، والمادة 52 تُلزم بأن تُبرم المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة وبموافقة مجلس الوزراء، ولا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المجلس النيابي متى تعلّقت بالمال أو بالتجارة أو بما لا يجوز فسخه سنةً بسنة. وهذا بالضبط وصف ما سيلي المنتدى: اتفاقات نقلٍ وعبور وطيران وتبادل تجاري واستثمار. أي أن الرعاية فعلٌ بروتوكولي، أما الالتزام فعملٌ مؤسسي جماعي. والخطر ليس في حفل افتتاح، بل في أن يستقرّ في الأذهان مسارٌ موازٍ يبدأ بمذكرات تفاهم تُوقَّع على هامش المنتديات وينتهي بأمرٍ واقع يُطلب من مجلس الوزراء أن يباركه بعد فوات الأوان. ففي القانون الدستوري، الممارسة المتكررة تصنع عرفاً، والعرف في لبنان أقوى من النص حين يغفل أصحاب النص عن حقوقهم. وثمة سببٌ إضافي يجعل هذا الملف تحديداً غير قابلٍ للارتجال. العلاقة اللبنانية - السورية لا تبدأ اليوم من صفحةٍ بيضاء. خلفها إرثٌ ثقيل من معاهدة الأخوة والتنسيق عام 1991 ومن المجلس الأعلى اللبناني - السوري ومن عشرات الاتفاقات الموقّعة في زمنٍ لم يكن فيه القرار اللبناني حراً، ولا يزال معظم هذا الإرث قائماً قانوناً في انتظار مراجعةٍ جدية. ولذلك فإن