بدأ الذكاء الاصطناعي يتجاوز دوره التقليدي في جمع المعلومات وتحليل الصور وصناعة الدعاية، ليدخل مجالات أكثر حساسية، مثل البرمجة العسكرية والمحاكاة والبحث الكيميائي والبيولوجي. ولا يعني ذلك أنه قادر حتى الآن على تصنيع سلاح كامل بمفرده، لكنه أصبح أداة تساعد أفراداً ومجموعات محدودة الإمكانات على اختصار الوقت وتقليل حاجتها إلى فرق كبيرة من المتخصصين. كلود في الاستخدام العسكري الرسمي دخل "كلود" Claude (اسم عائلة من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تطورها شركة أنثروبيك الأميركية) مجال الاستخدام العسكري الرسمي عبر عقد تصل قيمته إلى 200 مليون دولار بين شركة أنثروبيك ووزارة الدفاع الأميركية، واستخدم في تحليل الاستخبارات والمحاكاة والتخطيط العملياتي والعمليات السيبرانية. لكن البنتاغون أنهى العقد في فبراير/ شباط 2026 بعد رفض الشركة إتاحة النموذج لجميع الاستخدامات القانونية من دون قيود، إذ أصرت الشركة على منع استخدامه في المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة والأسلحة المستقلة بالكامل التي تعمل من دون تدخل بشري. وصنف البنتاغون الشركة لاحقاً خطراً على سلسلة التوريد، بينما أعلنت أنثروبيك اعتراضها على القرار ولجوءها إلى القضاء. حذرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في تقييم علمي صدر في مارس/ آذار 2026، من أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البحث الكيميائي. فالتخطيط الآلي للتصنيع والتنبؤ بخصائص المواد ودرجة سميتها تسرّع اكتشاف الأدوية وتحسّن العمليات الصناعية، لكنها تحمل قابلية واضحة للاستخدام المزدوج. وبحسب المنظمة، قد تقلل هذه الأدوات الوقت والخبرة اللازمين لتصميم مواد ضارة قابلة للتحويل إلى أسلحة. وفي السياق نفسه، يقدم تقرير شركة أنثروبيك الصادر في سبتمبر/ أيلول 2026 دليلاً على أن جهات مختلفة بدأت اختبار حدود نماذج الذكاء الاصطناعي في مجالات علمية وعسكرية حساسة. ولم يوثق التقرير محاولة محددة لصناعة سلاح كيميائي، لكنه عرض حالات حاول فيها مستخدمون الاستعانة بنموذج كلود في أبحاث يمكن أن تدعم تطوير أسلحة بيولوجية، منها أبحاث مرتبطة بتعديل خصائص فيروسات ودراسة السموم. وهذا يعني أن مخاطر الاستخدام العسكري لم تعد افتراضاً نظرياً محضاً. وهنا يجب التمييز. فالوصول إلى المعلومات لا يساوي القدرة على إنتاج السلاح، والتنفيذ يحتاج إلى مختبرات ومواد وتجهيزات وخبرة عملية. لكن الذكاء الاصطناعي قد يضعف بعض الحواجز المعرفية من خلال جمع الأبحاث وتحليل البيانات واقتراح مسارات للعمل وتصحيح الأخطاء بسرعة. في قضية أخرى منفصلة تماماً، أعلنت أنثروبيك أنها عطلت حسابات مرتبطة بخلية تعمل من شمال اليمن، استخدمت كلود وأداةClaude Code للمساعدة في ثلاثة مشاريع لأسلحة موجهة. وشملت هذه المشاريع صاروخاً تكتيكياً، وتصميماً لصاروخ باليستي متعدد المراحل بمدى مستهدف يتجاوز ألفي كيلومتر، ومجموعة صاروخية تضمنت تصوراً لمركبة انزلاقية فرط صوتية. استخدمت الخلية النموذج في كتابة برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم، وبناء المحاكاة الرقمية، ومراجعة الشفرة وتحليل بيانات الاختبارات. وشغل المستخدمون عدة نسخ من كلود بالتوازي، فخصصوا واحدة للبرمجة وأخرى للبحث وثالثة للمراجعة، ثم جمعوا بعض الأدوات في برنامج مستقل يعمل من دون اتصال بالإنترنت. وتقول الشركة إن الخلية أجرت تجربة إطلاق لصاروخ موجه بدت فاشلة، قبل أن تعود إلى النموذج لمحاولة اكتشاف سبب الإخفاق. تكشف هذه الوقائع المتفرقة تحولاً مشتركاً. الذكاء الاصطناعي لا يوفر المواد أو المصانع أو المحركات أو منصات الإطلاق، لكنه يقلص فجوة المعرفة والتنظيم. فهو يستطيع أداء جزء من عمل الباحث والمبرمج والمراجع الفني، ومساعدة مجموعة صغيرة على إدارة مشروع كان يحتاج سابقا إلى مؤسسة أكبر. وتزداد صعوبة المواجهة عندما يخفي المستخدمون غايتهم ويقسمون المشروع إلى أسئلة تبدو مدنية عند تقييم كل منها منفرداً. لذلك لا تكفي أنظمة الحماية التي ترفض الطلبات الصريحة، بل يجب أن تكتشف السياق التراكمي وتربط الأنشطة الموزعة بين الجلسات والحسابات، بالتوازي مع تعاون شركات التقنية والمؤسسات العلمية والهيئات الدولية. وتتقاطع هذه المخاوف مع دعوة أطلقها الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، حتى يتاح لأبحاث السلامة والرقابة وقت كاف للحاق بها. وأوضح أن المقصود ليس وقف تدريب النماذج أو تجميد التقدم التقني، بل منح الشركات وقتاً كافياً لمواءمة أنظمتها وتأمينها، وإخضاع النماذج الأكثر تطوراً لتقييمات مستقلة، إلى جانب تنسيق دولي يمنع تحول المنافسة التجارية والجيوسياسية إلى سباق غير منضبط. وقال أمودي محذراً من أن التقدم المتسارع، ولا سيما إمكان استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أجيال أكثر تقدماً من نفسه، قد يتجاوز قدرة البشر على فه