من تجربة شخصية شديدة الخصوصية، صنعت تالا خليل فيلم "ظلال بيروت" عن العودة إلى الوطن، والعائلة، والذاكرة، والوسواس القهري، والمصالحة مع الماضي. ومع انطلاق عرضه في الصالات البريطانية في 25 أيلول، تتحدث خليل الى "النهار" عن بيروت التي عادت إليها في الفيلم، ووالد لم تره طوال 24 عاماً، وعن شخصية "لانا" التي منحتها شجاعة القيام بما لم تستطع فعله في حياتها. بعد غياب يمتدّ 25 عاماً، تعود "لانا" إلى بيروت لمواجهة والدها المحتضر الذي انقطعت عنه منذ طفولتها. لكن الرحلة التي تبدأ بوصفها عودة إلى شخص، سرعان ما تتحول إلى مواجهة مع مدينة وذاكرة وأسئلة بقيت معلّقة لسنوات. من مشاهد فيلم Shadows of Beirut. (المكتب الإعلامي) هذه هي نقطة الانطلاق في فيلم "ظلال بيروت" (Shadows of Beirut)، للمخرجة تينا غراوي، الذي بدأ عرضه في دور السينما في المملكة المتحدة في 25 أيلول/سبتمبر 2026. تؤدي تالا خليل شخصية لانا، إلى جانب أسعد بواب، فلافيا بشارة، مايكل إي. رودجرز وثريا بغدادي، فيما طوّرت خليل السيناريو الذي استُلهم جزئياً من تجربتها الشخصية قبل العمل عليه مع غراوي. لم تكن الظروف التي صُنع فيها الفيلم أقل تعقيداً من حكايته. فقد امتد التصوير بين لبنان وبلغاريا خلال مرحلة شهدت جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي في لبنان وما أعقب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. وعندما تعذّر استكمال التصوير في بيروت، أعاد فريق العمل بناء أجزاء منها في استوديوات في صوفيا، قبل العودة لاحقاً إلى العاصمة اللبنانية لاستكمال المشاهد الخارجية. لكن بيروت هنا ليست مجرد خلفية. فالفيلم، الذي يصل اليوم إلى الجمهور البريطاني، يستخدم العودة إليها لطرح أسئلة عن الانتماء والاغتراب والذاكرة، وعن إمكان حب مكان أو شخص من دون أن تختفي الجروح المرتبطة بهما. في حديثها الى "النهار"، تروي خليل الجانب الشخصي وراء الفيلم، وما تغيّر فيها بين لحظة كتابة القصة ووصولها إلى الشاشة. تالا خليل، كاتبة،ومنتجة وبطلة فيلم Shadows of Beirut. (Alternative Agency) أين رسمتِ الحدّ الفاصل بين السيرة الذاتية والخيال؟ كانت نقطة الانطلاق شخصية جداً، لكن حياة لانا ليست إعادة سرد لحياتي. كتبت الفيلم، جزئياً، لأستكشف سؤالاً لم أكن مستعدة لمواجهته في حياتي الواقعية: ماذا قد يحدث لو منحتُ شخصية ما الشجاعة للعودة ومواجهة والدها؟ ومن هناك، بدأت لانا تتشكل كشخصية مستقلة بذاتها. المشاعر تنطلق من مكان حقيقي، لكن خياراتها وعلاقاتها ورحلتها تنتمي إلى عالم الفيلم. كنت أيضاً أخوض منذ فترة تجربتي الخاصة مع اضطراب الوسواس القهري، وقد ساعدتني هذه التجربة في كتابة العالم الداخلي للانا. لماذا اخترتِ أن تبني الفيلم حول فكرة العودة إلى الوطن؟ لم أكن قد رأيت والدي منذ 24 عاماً حين توفي. لوقت طويل، لم أكن مستعدة لرؤيته، وبعد رحيله بقيت أمام أسئلة لم يعد بإمكاني طرحها عليه. كتابة عودة لانا منحتني مساحة لاستكشاف ذلك الحوار الذي ظلّ غير مكتمل. فالعودة إلى بيروت تعني بالنسبة إليها مواجهة الأجزاء من ذاتها التي حاولت طويلاً أن تتركها خلفها. كنت بحاجة إلى أن تخوض هذه الرحلة، من أجلها ومن أجلي أيضاً. هل غيّر إنجاز الفيلم فهمكِ لفكرة التسامح؟ بالتأكيد. ربما كان التسامح أكبر درس تعلمته خلال صنع هذا الفيلم. عندما بدأت الكتابة، لم أكن قد سامحت والدي بعد. وأحياناً، جعلني تجسيد شخصية لانا أشعر بمزيد من الإحباط، لأن الإحساس بالذنب كان يتسلل إليّ، ومعه أفكار عما كان يمكن أن يحدث لو أنني عدت. حتى النهاية الأصلية للفيلم كانت تعكس حالتي العاطفية في تلك المرحلة. لكن مع بدء رحلة التعافي، أصبحت أكثر استعداداً لأن أسمح للانا بأن تفعل أشياء لم أملك أنا الشجاعة للقيام بها. ومع الوقت، أدركت أن مسامحة شخص آخر تبدأ أحياناً من مسامحة الذات. هل كان من الصعب الفصل بينكِ وبين لانا؟ أحياناً، بالتأكيد، وخصوصاً عندما كنا نصور مشاهد تقترب كثيراً من مشاعر حملتها معي لسنوات. منحتني الكتابة مسافة ما، لأنني كنت أستطيع تشكيل القصة على الورق، أما التمثيل فكان مختلفاً، إذ كان عليّ أن أعيش تلك المشاعر في اللحظة نفسها. كان الأمر صعباً، لكنه كان أيضاً نوعاً من التنفيس والتحرر. وكان هناك شيء علاجي جداً في هذا التماهي مع لانا، وخصوصاً مع تكرار المشاهد المرتبطة بنوبات الهلع والوسواس القهري. كلما جسدت نوبة هلع أمام الكاميرا مرات أكثر، أصبحت أقل إخافة بالنسبة إليّ. نوبات الهلع تستولي على الإنسان بالكامل، أما هنا، وللمرة الأولى، فكنت أنا من يمسك بزمام السيطرة. لانا وأنا لسنا الشخص نفسه، لكنني منحتها مخاوف أعرفها عن قرب. كيف غيّرت الظروف الاستثنائية التي مرّ بها لبنان والعالم مسار الفيلم؟ غيّرت تلك المرحلة طريقة صنعنا للفيلم، كما غيّرت فهمي للقصة نفسها. فقد أثرت الأزمة ال