لم يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى الأمم المتحدة ليعرض 3 ملفات لبنانية متجاورة. في خطابه، جمع أزمة الثقة بالدولة، وقرار الحرب والسلم، والأرض المحتلة في معادلة واحدة: "ثقة تُبنى، وقرار يُستعاد، وأرض تُحرَّر". وهي صياغة تكشف جوهر المأزق اللبناني: لا تستطيع الدولة أن تطلب من مواطنيها الثقة بها وهي عاجزة عن حماية حقوقهم، ولا أن تفاوض باسمهم إذا كان قرار الحرب خارج مؤسساتها، ولا أن تعلن استعادة السيادة فيما الأرض لا تزال تحت الاحتلال وأهلها بعيدين عنها. الترتيب الذي اختاره سلام ليس شكلياً. بدأ بالثقة، أي من علاقة الدولة باللبنانيين، قبل أن ينتقل إلى السلاح والحدود. بذلك، وضع الانهيار المالي والودائع وانفجار مرفأ بيروت في قلب النقاش حول السيادة. فالدولة التي تطالب بحصرية القرار الأمني مطالبة، في الوقت نفسه، بأن تُثبت قدرتها على تحقيق العدالة وصون الحقوق. وحين يقول إن الحقيقة والمحاسبة في قضية المرفأ "آتية لا محال"، فهو يرفع سقف المساءلة على حكومته، لا على خصومها وحدهم. ثم انتقل إلى العنوان الأكثر اشتباكاً في الداخل والخارج: مَن يملك حق التحدث باسم لبنان واتخاذ قرار الحرب والسلم؟ جاءت عبارته حاسمة: "لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية". في ظاهرها، هي تثبيت لصلاحية دستورية. أما في توقيتها السياسي، فهي محاولة لمنع أن يتحول لبنان إلى بند في تفاهمات تُبرم بين أطراف إقليمية ودولية، ثم يُطلب منه تحمّل نتائجها. سلام يريد للدولة موقعاً على طاولة القرار، لا مهمة تنفيذ ما يُقرَّر في غيابها. غير أن امتلاك هذا الموقع يحتاج إلى أكثر من إعلان سياسي. فحصرية التفاوض تفترض حصرية قرار الحرب والسلم، وحصرية القرار تفترض قدرة الدولة على بسط سلطتها. هنا يكمن التحدي الداخلي الذي لم يتجنّبه الخطاب: لا يمكن للبنان أن يطالب العالم بالتعامل معه بوصفه صاحب قرار واحد، ثم يبقى هذا القرار موضع تنازع في الداخل. لكن سلام حرص أيضاً على ألا يتحول هذا الالتزام الداخلي إلى إعفاء لإسرائيل من مسؤولياتها. فقد ربط بسط سلطة الدولة اللبنانية بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، وطرح التبادلية والمرحلية أساساً للإطار الذي تحدّث عنه. هذه هي النقطة الاستراتيجية الأهم في الخطاب: تنفيذ الالتزامات يجب أن يكون متقابلاً، وفق جدول زمني وآلية تحقق، بحيث لا يبقى المطلوب من لبنان محدداً وفورياً فيما تُترك مطالبته بالانسحاب والأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار معلّقة. ومن هنا يتجاوز معنى "تحرير الأرض" رفع الاحتلال عنها. سلام قال بوضوح إن الأرض لا تُستعاد إذا لم يعد سكانها إليها، وإذا بقيت قراهم مدمّرة وموارد عيشهم غائبة. بهذا المعنى، تصبح عودة أهل الجنوب وإعمارهما جزءاً من تثبيت السيادة، لا ملفاً إنسانياً يأتي بعد التسوية. وكذلك يصبح تحذيره من فراغ قد يخلّفه انسحاب اليونيفيل سؤالاً عن الجهة التي ستراقب الالتزامات وتساعد على منع انهيارها. خطاب سلام، إذاً، لم يقدّم 3 وعود مستقلة يمكن انتقاء أحدها وتأجيل الآخرين. لقد وضع معادلة يصعب تفكيكها: إصلاح يعيد ثقة اللبنانيين، ودولة تستعيد قرارها، وتسوية تنهي الاحتلال وتتيح للناس العودة بأمان. قوة هذه المقاربة أنها تربط ما على لبنان فعله بما يطالب الآخرين بفعله. وصعوبتها أن تعثر أي ضلع منها سيُضعف الضلعين الآخرين. أمام العالم، رسم سلام صورة الدولة التي يريد بناءها. أما الامتحان الفعلي فسيكون في الداخل وعلى الأرض: هل يستطيع تحويل هذه الثلاثية من منطق متماسك في خطاب إلى التزامات متقابلة ونتائج يلمسها اللبنانيون؟