"إنّها صورة الزمن الذي يمرّ متقلباً، والذات دائمة. فيكون للتاريخ فيها بُعدٌ مزدوج: الثبات والتجدد، الصورة والحلم. وتكون مرآة الواقع هي، في آنٍ معاً، مرآة الثورة عليه."، هذه الكلمات من مقدمة الأستاذ غسان تويني في الجزء الأول من مقالات الشاعر أنسي الحاج الأسبوعية "كلمات كلمات كلمات" التي جمعتها دار النهار للنشر عام 1987، والتي عادت وذكرتها الشاعرة ندى الحاج في الكتاب الصادر حديثاً عن دار نلسن في بيروت: "لا تنتظر ساعي البريد!" رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي. يأتي هذا التمهيد ليذكّرنا بصورة الزمن الذي يمرّ بالكثير من التقلبات والأبعاد والمرايا من عصر الرسائل المكتوبة بالحبر والدموع والمحمّلة بالحنين والأدب إلى عصر الرسائل الإلكترونية ومن ثم الفويس أوديو والتشات مع الذكاء الاصطناعي الذي يملي علينا الرسالة عند طباعة أول حرف. هذه الواقعية تطالعنا في العنوان بزوال المسافة أمام التواصل. لكنّ سرعة تغيّر الزمن تكشف أنّ الشاشة أصبحت العائق أمام التواصل. لذلك يهتدي القارئ إلى كتابٍ يعيد الرسالة إلى حضورها الفكري والإنساني. تأتي المقاربة بين أنسي الحاج والمتصوف محيي الدين بن عربي لتشكل انطلاقة الرسائل، ولعلّ انجذاب ندى إلى كتاب فريد الزاهي المترجم عن الفرنسية "الخيال الخلّاق في تصوف ابن عربي" لكاتبه هنري كوربان، هو الذي دفعها إلى الاستهلال بأدب الرسائل مع الكاتب المغربي فريد الزاهي. تقول في الصفحة 12: "أحياناً تلتقي أشخاصاً يعكسون على مرآتك أنواراً تكشف أعمق ما فيك، أشخاصاً أسميهم منارات، ولقاءات أسميها نعمة. والصفحات التي تضمها هذه الرسائل تشهد على ذلك، وهي تجربة أخوضها لأول مرة خارج نطاق القصيدة". بدوره، يكشف الزاهي للقراء في الصفحة 15: "انبثقت فكرة هذه الرسائل في ذهني فجأة، ونحن نعرف بعضنا البعض منذ ما يقارب السنتين. ما تبادلناه من كلام طوال هذه الفترة عن بعد يكاد يجاوز كتاباً". وهو، وإن بحث عن مبرر فلسفي لهذه المراسلات بين شاعرة ومفكر، بيد أنه يبوح بحبّه للشعر، لكنّ ما لبثت الكتابة النقدية أن شدته إليها. ويعترف بأنّ الفضل يعود إلى ندى، في عشقه الراهن لشعر أنسي وكتاباته. في هذه الرسائل، يكشف المفكر المغربي عن طفولته وعلاقته بأبيه، لتخبره ندى عن علاقتها بأبيها الذي يزداد حضوره - على الرغم من غيابه - اتساعاً في حياتها (ص: 13). ثم يخبرها عن لبنان وزياراته بيروت وبعلبك وجبل لبنان وحبه للكتابة في المقهى، لتبوح بدورها عن تفضيلها الصمت والعزلة أثناء ممارستها فعل الكتابة. تتوالى الأفكار وتتقاطع الرؤى وتتسع مساحات الحوار على هذا المنوال، فيتلمس القارئ تجارب الكاتبين: من ذهول فريد الزاهي بالمواقع الدينية وصومعة القديس شربل إلى السفر في فضاءات المغرب والأوساط الجبلية الأمازيغية إلى علاقته بالتاريخ والأنتروبولوجيا والأدب. في المقابل، تكشف ندى عن عدد زياراتها للمغرب حيث دُعيت إلى مناسبات شعرية عدة، ناهيك عن الصداقات التي حصدتها. في الواقع، مراسلات تأخذنا في سفر إلى مدن مثل: الرباط، أزرو ومراكش حيناً، وإلى بيروت حيناً آخر. من الخاص والطفولة والدراسة إلى العام مروراً بالثقافة والرأي السياسي والعيش المشترك بين الأديان. حتى وسائل التواصل الاجتماعي التي غيّرت وجه الثقافة في العالم، كان رأي الكاتب المغربي صادقاً في هذا الشأن، منتقداً بعض الكتّاب والفنانين العرب والغربيين، قائلاً في الصفحة 102: "المجد اليوم لليوتيوبيين والمؤثرين وأصحاب القنوات الخاصة ورجال السياسة المجهولين الذين تحملهم رياح الانتماء السياسي إلى سدّة السلطة، فيبذّرون أموال الشعب وأحلامه...". ويقول في الصفحة 112: "في الفايسبوك تجد كتّاباً مغمورين أو مبتدئين يتباهون بدعوتهم إلى المعارض العربية، ناشرين صورهم ولقاءاتهم ببهجة تكاد تكون ساذجة...". إذاً، هي رسائل كالمرايا تخطت فكرة الأنا إلى فضاءات أوسع في الدين والفنون والطبيعة. تتداخل في النصوص التجربة الذاتية مع الذاكرة الثقافية في حضور واضح لكلّ من الشاعر أنسي الحاج والكاتب عبد الكبير الخطيبي (صديق وأستاذ فريد الزاهي) وما تركاه من آثار شعرية وفكرية. فنتوغل نحن القرّاء في أفكار أدباء غابوا لكنّ روحهم بقيت حاضرة في الكلمة التي شكلت هويتهم. عن هذه الهُوية، تسأل "النهار" الشاعرة ندى الحاج: * هويتك الأدبية هي الشعر وهذا ما قلته علناً، فهل يُشكل كتاب "لا تنتظر ساعي البريد!" باباً لإنتاجات أدبية أخرى لندى الحاج، قد تكون سيرتك الذاتية على سبيل المثال؟ - كل شيء ممكن انطلاقاً من كوني أعيش حياتي شعرياً حتى خارج إطار القصيدة. حين باشرت تبادل الرسائل مع فريد الزاهي، لم يكن ذلك بهدف تجربة كتابية من نوع آخر، بل تحقيقاً لرغبة متبادلة في التواصل من خلال الكتابة، وقد لمعت في رأسه هذه الفكرة عفوياً لم يُخطَط لها مسبقاً، ونحن لم نلتق شخصياً ولا مرة