في وقت يترقّب فيه العالم اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان، تدور في ناغورنو كاراباخ معركة أخرى على تاريخ الكنائس والأديرة المسيحية. فمواقع ارتبطت بالأرمن دينياً وثقافياً على مدى قرون، تُقدَّم اليوم لزوار المنطقة على أنها تعود إلى "ألبان القوقاز". ويرى الكاتب ستيفان بيتشديمالدجي أن إعادة تعريف هذه المعالم تهدّد أسس المصالحة، حتى لو أحرز الطرفان تقدّماً على طاولة المفاوضات. وفي مقال نشرته مجلة "ذا ناشونال إنترست"، يقول بيتشديمالدجي إن مسؤولين أذربيجانيين نظّموا خلال الأسابيع الأخيرة جولات لدبلوماسيين وأكاديميين وضيوف دوليين في ناغورنو كاراباخ، عُرضت عليهم خلالها كنائس وأديرة ومعالم ثقافية عُرفت طويلاً بارتباطها بالأرمن. لكن الرواية التي قُدّمت للزوار، بحسب الكاتب، نفت هويتها الأرمنية ونسبتها إلى "ألبان القوقاز". ويعتبر بيتشديمالدجي أن ما قد يبدو نقاشاً حول تاريخ المنطقة هو، في الواقع، مشروع سياسي ترعاه الدولة لتغيير الرواية المتعلقة بتراثها. ويحذّر من أن هذه القضية لا تنفصل عن أسئلة السلام والعودة والانتماء، في مرحلة ينصبّ فيها الاهتمام الدولي على التقدّم الدبلوماسي بين باكو ويريفان. ويعيد الكاتب التذكير بما حدث في أيلول 2023، حين غادر أكثر من 120 ألف أرمني ناغورنو كاراباخ عقب حصار وهجوم عسكري أذربيجاني. وهو يصف خروجهم بأنه طرد فعلي من المنطقة، مشيراً إلى أن كثيراً من المراقبين وصفوا ما جرى بأنه "تطهير عرقي". وبرأيه، حظيت الأزمة الإنسانية الناتجة من نزوح السكان باهتمام واسع، بينما بقي مصير المعالم المرتبطة بتاريخهم أقل حضوراً في النقاش الدولي. ويخصّ بالذكر ديري غاندزاسار وداديفانك، اللذين شكّلا على مدى قرون جزءاً من الحياة الدينية والفنية والثقافية للأرمن. ويقول إن الجهود الرامية إلى نزع هويتهما الأرمنية وإلحاقهما برواية تاريخية رسمية لا تمسّ الماضي وحده، بل تؤثر أيضاً في كيفية النظر إلى صلة النازحين بأرضهم وإلى حقهم في العودة إليها. وفي قراءة الكاتب، عندما تختفي آثار شعب من المكان، يصبح من الأسهل لاحقاً التشكيك في وجوده التاريخي فيه. لذلك، لا يرى في الجدل حول هوية الأديرة مسألة رمزية أو خلافاً بين مؤرخين، بل قضية ترتبط بمستقبل الأرمن الذين غادروا كاراباخ. ويمتدّ قلق بيتشديمالدجي إلى الخطاب السياسي خارج حدود الإقليم. فهو يشير إلى استخدام الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف تسمية "أذربيجان الغربية" في حديثه عن جمهورية أرمينيا، وإلى قوله إن أجزاءً واسعة من أراضيها الحالية كانت تاريخياً أراضي أذربيجانية. ويعتبر الكاتب أن هذا الخطاب يثير مخاوف من أن تمتدّ المطالبات التاريخية إلى أراضي أرمينيا ذات السيادة. ويكتب بيتشديمالدجي، وهو أميركي من أصل أرمني وحفيد لناجين من الإبادة الأرمنية، أن اتفاقات وقف النار والمعاهدات لا تكفي وحدها لبناء سلام دائم. فالمفاوضات حول ترسيم الحدود وممرات العبور والضمانات الأمنية والتكامل الاقتصادي تظلّ ضرورية، لكنها لا تجيب، في رأيه، عن سؤال جوهري: كيف يتصالح شعبان إذا كان أحد الطرفين يسعى إلى محو حضور الآخر من تاريخ المكان؟ ويدعو الكاتب الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية الداعمة للسلام إلى عدم إغفال التراث الثقافي خلال انشغالها بالاتفاق السياسي. ويخلص إلى أن السلام المستدام يتطلب الاعتراف بأن الأرمن عاشوا في ناغورنو كاراباخ، وبنوا كنائسهم فيها ومارسوا شعائرهم وطوّروا صلتهم بها عبر أجيال. ففي نظره، لا يمكن بناء مصالحة راسخة على إنكار ذاكرة أحد طرفيها.