هل قضت إسرائيل فعلاً على حزب الله وفجّرت مخازن سلاحه؟ وما حقيقة التفجيرات الضخمة التي تواصل تنفيذها في الجنوب، مدّعيةً أنها تستهدف مخازن أسلحة؟ وهل تناسبت نهاية علي الطاهر مع رواية إسرائيل عن حجم إنجازاتها؟ وإذا كانت إسرائيل قد تمكّنت بالفعل من القضاء على سلاح حزب الله وإنهاك قوته، فما الذي تفعله بعد، وهي التي تقول إنها قضت على الحزب باغتيال الصفين الأول والثاني من قياداته؟ بعد عامين على حرب أُصيب فيها حزب الله في الصميم باغتيال أمينيه العامين وعدد من قادته، يبدو أن الحزب تلقّى ضربة قاسية طالت معظم الجيل المؤسس تقريباً، في لحظة لم تكن في حسبانه، أو ربما كانت متوقعة لديه من حيث المبدأ، لكنه لم يتحسّب لها بالشكل الكافي. وبعد عامين لا يزال حزب الله شاغلاً للعالم. يتحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويتودد إليه سفيره في لبنان، وتُرسل إليه رسائل الحوار. وتسعى تركيا إلى تصحيح علاقته مع سوريا، ولا تغلق فرنسا الأبواب في وجهه، فيما لم تعد إيطاليا، بسبب رفضه، راغبة في الاستمرار ضمن قوة دولية في جنوب لبنان. ودخل حزب الله، بصورة غير مباشرة، شريكاً في المشهد التفاوضي المرتبط بالمفاوضات بين إيران وواشنطن. لكن السؤال الذي بقي يتردد، ويستحوذ على الاهتمام، هو: ماذا عن واقعه الداخلي؟ ماذا تعلّم من تجربة عامين ثقيلين مرّا عليه؟ وما الرابط بين الميدان والسياسة؟ استفاد حزب الله من تجربة العامين، على قساوتها، وأخضع نفسه وقياداته لمراجعة شاملة وعميقة، كانت أقرب إلى المحاسبة وتحمل المسؤوليات. وفي إطارها، مارس سياسة العقاب والإقالة والإعفاء من المسؤوليات. راجع الحزب تجربته في سوريا، وسرعة انكشافه بسببها، وكيف كان سقوط النظام فيها شرارة في الحرب عليه. ثم انقلبت الولايات المتحدة على اتفاق تشرين، وتحوّل المشهد إلى حرب شاملة عليه أعلنت إسرائيل بدايتها. طرأت متغيرات كثيرة على حزب الله، بشقّيه العسكري والسياسي. لم يعد مكشوفاً أمام إسرائيل بالشكل الذي كان عليه سابقاً، ولم تعد تفاصيل عمله المقاوم متاحة للتداول كما كانت. يتحدث حزب الله عن تجربة الحربين بالقول إنه دخل حرب الإسناد انطلاقاً من تكليف شرعي، بنصرة المظلوم على الظالم. لم يكن في وارد توسيع الحرب، واكتفى بمشاغلة العدو في مزارع شبعا ومحيطها. لكن إسرائيل، بحسب روايته، أرادت توسيع الحرب، لرغبتها في الانتقام من انتصاره عليها في حربين سابقتين. وقبيل اغتيال السيد حسن نصرالله، كان الحزب، وفق مراجعته، في وارد إنهاء الحرب، وقد أبلغ ذلك إلى المعنيين. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفّذ عملية الاغتيال، ثم أتبعها باغتيال مزيد من القيادات. في مراجعته، يعتبر حزب الله أن سقوط سوريا، بعد ثمانية أيام من انتهاء الحرب، أوجد فرصة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة إنتاج موازين قوى جديدة. أُقفلت الطرق أمام الحزب، وتوقف الإمداد، ولعبت واشنطن دوراً مباشراً في تغيير المعادلة. كما تعطّل تطبيق القرار 1701، وانقلبت إسرائيل على اتفاق تشرين، ولم تلتزم به خلال مهلة الستين يوماً وفق ما كان متفقاً عليه، بل أعادت تموضعها في عدد من المواقع جنوباً. كذلك، لم تلتزم الولايات المتحدة وفرنسا، وفق رواية الحزب، بضمان الاتفاق، وفشلت آلية التحقق من الخروقات. مع ذلك، يقول حزب الله إنه التزم بالاتفاق، وابتعد لإفساح المجال أمام مناصري خيار الدبلوماسية على حساب الحرب. واستمر الانتهاك الإسرائيلي خمسة عشر شهراً. وحذّر الحزب من أن صبره بدأ ينفد، وأن بيئته بدأت تشكو. وكان المفاجئ، وفق الحزب، أن إسرائيل لم تتوقف عند حدودها، فيما غيّرت «السلطة» أولوياتها. فبدلاً من الاعتراض على عدم التزام إسرائيل بتطبيق الاتفاق، تقدّم موضوع السلاح على وقف العدوان وانسحاب إسرائيل. وهكذا بدأ مسلسل الشروط والحصار عليه. أبلغ الحزب، أن الدبلوماسية لم تجد نفعاً وأن صبره بدأ ينفد، واعتبر أن قرارات الدولة وفّرت لإسرائيل الذريعة، وأسهمت في مضاعفة عدوانها. واعتبر أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن تغيّر المعادلة، وربط الوضع المحلي بالإقليمي باعتباره وسيلة لوقف العدوان الإسرائيلي. لكن إسرائيل وسّعت الحرب، فيما أعلنت «السلطة» استعدادها للتفاوض، وكان اتفاق الإطار الذي منح إسرائيل كل ما تريده وشرّع الاحتلال والعدوان. ويرى الحزب أنه «لولا تخاذل السلطة، وقرارات حصرية السلاح، وإسقاط ورقة المقاومة، لتغيّر الوضع". اليوم، يعتبر حزب الله أن لم تتوقف، وإن كانت مساحتها الجغرافية قد تراجعت. يعتبر أنه لا يزال في قلب المعركة، لكنه يحاذر منح رئيس الوزراء الإسرائيلي فرصة لخوض الانتخابات من خلال توسيع الحرب. وفي توصيفه للمرحلة: "تحتاج إلى صبر وتعقّل وممارسة المزيد من الانضباط". ويعتبر الحزب أن «المعركة التي تجري في الإقليم هي جزء من المعركة الكبرى، وانع