يبدو أن لبنان دخل مرحلة انتظار طويلة، عنوانها الأساسي تجميد الملفات الكبرى أكثر من الاقتراب من تسويتها. فالمشهد الإقليمي بات مرتبطاً باستحقاقين انتخابيين متتاليين، في إسرائيل والولايات المتحدة، ومن الصعب فصل ما يجري على الساحة اللبنانية عن حساباتهما. في الجنوب، تتجه الأنظار أولاً إلى الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026. وفي هذا السياق، تبدو مصلحة “حزب الله” واضحة في تجنب منح بنيامين نتنياهو فرصة لتوسيع المواجهة واستخدامها انتخابياً في الداخل الإسرائيلي، ولا سيما عبر تقديم نفسه مجدداً في موقع القادر على استعادة الردع أو تحقيق إنجاز عسكري على الجبهة اللبنانية. هذا لا يعني أن الانتخابات وحدها تتحكم بمسار المواجهة، لكنها تشكل عاملاً إضافياً يفسر مستوى ضبط الجبهة حتى الآن رغم الضربات والضغوط الإسرائيلية. فالتصعيد الواسع في هذا التوقيت قد يمنح نتنياهو تحديداً ما يحتاج إليه قبل فتح صناديق الاقتراع. وبعد أيام فقط، يحل الاستحقاق الثاني. فالانتخابات النصفية الأميركية مقررة في 3 تشرين الثاني 2026، وهنا تدخل إيران وحسابات الطاقة على خط الانتظار. طهران تدرك حساسية أسعار النفط والبنزين بالنسبة إلى إدارة دونالد ترامب قبل الانتخابات، كما تدرك أن أي توتر كبير في الخليج أو مضيق هرمز يمكن أن يضغط سريعاً على أسواق الطاقة ويحوّل الأسعار إلى مشكلة سياسية داخلية أميركية. ولذلك يبقى النفط ورقة ضغط حاضرة في خلفية المواجهة والتفاوض، حتى من دون استخدامها بصورة مباشرة. هكذا يصبح لبنان عملياً بين ساعتين: ساعة الانتخابات الإسرائيلية وساعة الانتخابات الأميركية. لكن انتهاء الاقتراعين لن يعني أن الملفات ستتحرك في اليوم التالي. إسرائيل ستحتاج إلى وقت لتظهير نتائج الانتخابات وترتيب المشهد السياسي، وواشنطن ستعيد قراءة التوازن الجديد في الكونغرس، فيما ستختبر إيران حدود المرحلة المقبلة وشروط التفاوض أو المواجهة. وعندما تنتهي هذه المرحلة الانتقالية، سيكون لبنان قد وصل عملياً إلى نهاية السنة. من هنا، قد يكون مطلع 2027 أول موعد واقعي لبدء تبلور صورة أكثر وضوحاً: ماذا تريد إسرائيل في الجنوب؟ إلى أين ستذهب المواجهة الأميركية - الإيرانية؟ وما المساحة المتاحة أمام تسوية لبنانية تتناول السلاح والانسحاب والترتيبات الأمنية وبقية الملفات العالقة؟ حتى ذلك الحين، يبدو لبنان أقرب إلى بلد موضوع في “الثلاجة”: لا تسوية نهائية، ولا انفجار حتمي، بل إدارة دقيقة للوقت وانتظار لما ستنتجه صناديق الاقتراع. التجميد هنا لا يعني الاستقرار، بل تأجيل القرارات الكبرى إلى أن يعرف الجميع شكل الطاولة التي سيفاوضون عليها في مطلع السنة.