طوني عيسى - الجمهورية ثمة صياغات دولية معقّدة تُطبخ للبنان بين نيويورك وواشنطن، ركيزتها ترسيخ الصيغة الإطارية التي تمّ التوصُّل إليها بين لبنان وإسرائيل، بشراكة أميركية، لتكون أساساً لقرار مُلزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي. وهذا التحوُّل سيعني عملياً إلغاء القرار 1701 واستبداله بمرجعية جديدة، تُعيد تنظيم وضع الجنوب ولبنان ككل، وصولاً إلى ضبط الحدود ليس مع إسرائيل فحسب، بل مع سوريا أيضاً. القرار المنتظر عن مجلس الأمن يُراد له أن ينتج قوّة دولية جديدة، بديلة لـ«اليونيفيل»، تكون مدعومة بتفويض عملياتي صلب وقدرات تنفيذية قسرية، وتتمتع بآليات وتجهيزات تكتيكية متطوّرة، وتتجاوز بنطاقها الجغرافي مدى المهام التي بلغتها «اليونيفيل» التقليدية. وستضع في رأس أولوياتها العملانية نزع سلاح «حزب الله» وضمان حظر السلاح خارج سلطة الدولة.وهذا المسار الذي يضغط الأميركيّون في اتجاهه سيضع السلطة اللبنانية أمام خيارَين صعبَين، ويرسمان ملامح مرحلة فائقة الدقة:الأول هو أن ترفض السلطة الرسمية صيغة القرار الجديدة، ما يعني وقوع لبنان في فخ الفراغ الأمني جنوباً، بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، وترك لبنان كلّه مكشوفاً أمام الماكينة العسكرية الإسرائيلية وضرباتها المتواصلة.والثاني هو أن تقبل السلطة الرسمية بهذه القوّة الدولية البديلة، المزوَّدة بـ«مخالب تنفيذية»، وتتعامل معها كأمر واقع فرضته التحوُّلات الميدانية والسياسية.وعلى رغم من التعقيدات الداخلية التي سيتسبَّب بها الخيار الثاني، سيميل السلوك الرسمي اللبناني إلى التعامل معه باعتباره الممر الإجباري، بل الأقل كلفة، لأنّه المخرج الممكن لتجنُّب صدام مباشر ومفتوح مع إسرائيل التي يحظى حراكها العسكري والأمني في الجنوب اللبناني بغطاء أميركي واضح. وفي هذا الصدام مع إسرائيل، لن تتوافر للبنان أي مقوِّمات للصمود العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.لكن، في المقابل، يدرك لبنان الرسمي أنّ قبوله بهذا المسار لن يمرّ بلا أثمان سياسية داخلية. وفيما سيحاول الاستناد إلى الرعاية الدولية لتثبيت حصرية السلاح وبسط سيادة الدولة على أراضيها، سينظر «حزب الله» إلى هذا الواقع الهجومي بوصفه انقلاباً سياسياً، يهدف إلى تجريده ممّا بقي له من عناصر قوّة. وجاء الخطاب السياسي الأخير لكتلة «الوفاء للمقاومة»، بدرجة حدّته، وتصويبه المباشر على الحكومة في الملفات المعيشية، ليطلق معركة تثبيت الموقع. فالرفض المطلق لأي مساس بالسلاح يطاول جوهر وجود «الحزب» ووظيفته الإقليمية. وبذلك، سيجد لبنان نفسه مشدوداً بين رؤيتَين متناقضتَين: الدولة التي تسعى إلى الالتحاق بالشرعية الدولية لتجنُّب المزيد من القضم والتدمير والتهجير، و«حزب الله» الذي سيبذل قصارى جهده لحماية ما بقي له من نفوذ في الداخل.ولا يمكن فصل هذه المناخات الخشنة في لبنان عن التوقيت السياسي في إسرائيل والولايات المتحدة، وخريف الأجندات السياسية والانتخابية، حيث باتت عروض القوة والمزايدات الأمنية عملة رئيسية في سوق الاستقطاب الداخلي. ففي إسرائيل، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى صورة «نصر» يقدّمها إلى جمهوره، تُترجَم بتغيير دائم على الحدود الشمالية، وتضمن إنهاء تهديد السلاح، كشرط لإعادة السكان وتثبيت معادلة أمنية جديدة. وأمّا في واشنطن، فيمثل السلوك الصارم في لبنان فرصة لإدارة دونالد ترامب لتقديم إنجاز سياسي وأمني، يعكس القدرة على الحسم وفرض الاستقرار واستثمار قوّة الردع من خلال المؤسسات الدولية.هذا يعني أنّ لبنان يقترب من لحظة الحقيقة. فتحويل الصيغة الإطارية إلى قرار دولي تنفيذي سيعني انتقال الجنوب من مرحلة «إدارة النزاع» تحت مظلة 1701 إلى مرحلة «فرض الحل بالقوّة». وسيكون الرهان الأهم معقوداً على مدى أهلية النسيج الداخلي اللبناني لتحمّل ارتدادات هذا التحوُّل، من دون الانزلاق إلى صدام سياسي أو أمني ينسف ركائز الاستقرار الداخلي بالكامل. ثمة صياغات دولية معقّدة تُطبخ للبنان بين نيويورك وواشنطن، ركيزتها ترسيخ الصيغة الإطارية التي تمّ التوصُّل إليها بين لبنان وإسرائيل، بشراكة أميركية، لتكون أساساً لقرار مُلزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي. وهذا التحوُّل سيعني عملياً إلغاء القرار 1701 واستبداله بمرجعية جديدة، تُعيد تنظيم وضع الجنوب ولبنان ككل، وصولاً إلى ضبط الحدود ليس مع إسرائيل فحسب، بل مع سوريا أيضاً. القرار المنتظر عن مجلس الأمن يُراد له أن ينتج قوّة دولية جديدة، بديلة لـ«اليونيفيل»، تكون مدعومة بتفويض عملياتي صلب وقدرات تنفيذية قسرية، وتتمتع بآليات وتجهيزات تكتيكية متطوّرة، وتتجاوز بنطاقها الجغرافي مدى المهام التي بلغتها «اليونيفيل» التقليدية. وستضع في رأس أولوياتها العملانية نزع سلاح «حزب الله» وضمان حظر السلاح خارج سلطة الدولة. وهذا المسار الذي يضغط الأميركيّون في اتجاهه سيضع السلطة اللبنانية أمام خيار