خلف التهدئة الديبلوماسية التي يحرص الرئيس الصيني شي جينبينغ على إظهارها في علاقة بلاده مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تجري حسابات استراتيجية أكثر تعقيداً بشأن ما تكسبه الصين من انشغال الولايات المتحدة في حرب طويلة مع إيران. خرجت قمة واشنطن الأخيرة بتمديد الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين شهرين إضافيين، في محاولة لإبقاء التنافس بين القوتين تحت السيطرة. غير أن ملف إيران يكشف وجهاً مختلفاً لهذه العلاقة. فقد كشف تحقيق لـ"وول ستريت جورنال"، استناداً إلى بيانات جمركية إيرانية، عن نحو 1300 شحنة من المكونات والمواد ذات الاستخدام المزدوج أرسلتها جهات صينية إلى وزارة الدفاع الإيرانية خلال النصف الأول من 2026. ووصلت إحدى الشحنات في اليوم الذي بدأت فيه الهدنة الأميركية الإيرانية في حزيران/يونيو، فيما تبعتها بعد يومين أكثر من 12 شحنة تضم أجزاء يمكن استخدامها في المسيّرات وتزيد قيمتها على 6 ملايين دولار. هذه التدفقات، إلى جانب استمرار الروابط الاقتصادية بين الصين وإيران، تفتح باباً أوسع للسؤال عن مدى استفادة بكين من حرب تستنزف الولايات المتحدة عسكرياً ومالياً وسياسياً، فيما تبقى هي بعيدة من المواجهة المباشرة. يؤكد أستاذ الدراسات الدولية في جامعة "صن يات سين" الدكتور شاهر الشاهر أن إطالة أمد الصراع تمنح بكين مكاسب استراتيجية مباشرة، ويرى في حديثه لـ"النهار" أن أحد أبرزها يتصل بجبهة تايوان. فكل توسع في الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط يعني، وفق قراءته، موارد أقل متاحة للمحيطين الهندي والهادئ. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع استهلاك الولايات المتحدة كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض خلال الحرب مع إيران. وتشير تقديرات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى تراجع كبير في مخزونات منظومات من بينها "THAAD" و"SM-3" و"Patriot"، وهي ذخائر تدخل أيضاً في حسابات أي مواجهة محتملة مع الصين. ويرى الشاهر أن بكين تستفيد كذلك من البعد الدعائي للحرب، إذ تقدم نفسها باعتبارها قوة تدعو إلى الاستقرار والتسويات، في مقابل صورة أميركية مرتبطة بالحروب والتدخل العسكري. ويضاف إلى ذلك ارتباط اقتصادي طويل بين بكين وطهران، خصوصاً في قطاع الطاقة، إذ بقيت الصين السوق الرئيسية للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات، وإن كانت أسعار هذا الخام وخصوماته قد شهدت تقلبات كبيرة مع اضطراب الإمدادات خلال الحرب. يصف الشاهر المقاربة الصينية بأنها أقرب إلى "انتهاز الفرصة بذكاء" من كونها خطة هجومية شاملة لدفع الولايات المتحدة نحو حرب مفتوحة. فبكين، وفق هذه القراءة، تستفيد من استنزاف أميركي مضبوط، فيما يشكل الانفلات إلى حرب إقليمية واسعة خطراً مباشراً على مصالحها. وإغلاق مضيق هرمز، أو تعطيله لفترة طويلة، يهدد جزءاً مهماً من واردات الطاقة الصينية ويضغط على الاقتصاد المحلي. ومن زاوية عسكرية، يرى الشاهر أن الحرب تمنح الصين فرصة لمراقبة أداء أسلحة وتقنيات ومكونات صينية في بيئة قتالية تواجه فيها منظومات أميركية متطورة، من دون دخول بكين نفسها في المواجهة. كما يمكن أن يمنح استمرار حاجة إيران إلى السلاح والبنية التحتية والتكنولوجيا الشركات الصينية موقعاً متقدماً في مرحلة إعادة الإعمار أو إعادة بناء القدرات الإيرانية. ويعتبر أن سياسات ترامب المتقلبة مع الحلفاء، إلى جانب تعدد الجبهات التي تنشغل بها الإدارة الأميركية، تتيح للصين هامشاً إضافياً للتحرك في ملفات تعتبرها أكثر اتصالاً بصراعها الطويل مع واشنطن، من أشباه الموصلات والجيل الخامس إلى تايوان وسلاسل التوريد. ويختصر الشاهر المصلحة الصينية بأنها ترتبط باستنزاف الوقت والذخيرة والاهتمام الأميركي أكثر من ارتباطها بانتصار إيراني حاسم في الحرب. الرئيسان الأميركي والصيني وعقيلتيهما على درجات الرواق الشمالي للبيت الأبيض، في 24 سبتمبر 2026. (أ ف ب) من جانبه، يحدد أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور عمرو صالح، في قراءته لـ"النهار"، مكمن الخلل في المقاربة الأميركية في الرهان على إمكان تقويض البرنامج النووي أو الآلة العسكرية الإيرانية بضربات مركزة. ويرى صالح أن بنية النظام في طهران وقدرته على تعويض القيادات وحماية أجزاء من بنيته العسكرية والنووية تجعل تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى نتيجة سياسية حاسمة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى مواجهة مفتوحة زمنياً. وفي المقابل، يرى أن استمرار وصول المكونات والسلع ذات الاستخدام المزدوج إلى إيران يسمح لطهران بالحفاظ على جزء من قدرتها العسكرية، فيما تستفيد بكين من بقاء واشنطن منشغلة بجبهة تستنزف المال والذخائر والاهتمام السياسي. ويحدد صالح مكسباً آخر يرتبط بصورة القوة الأميركية. فكلما طال أمد الحرب من دون حسم، ازدادت الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية وكلفة انتشارها العسكري، فيما ت