يدخل بنيامين نتنياهو انتخابات 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو يواجه مفارقة لم يعرفها بهذه الحدة من قبل، الحروب التي طالما عززت صورته بوصفه سيد الأمن الإسرائيلي أصبحت تهدد مستقبله السياسي. فبعد نحو ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر، لم يعد السؤال داخل إسرائيل مقتصرا على كيفية وقوع أكبر إخفاق أمني في تاريخها الحديث، بل امتد إلى ما إذا كان نتنياهو لا يزال قادراً على تقديم نفسه باعتباره الرجل الأجدر بإدارة المخاطر. من إخفاق 7 أكتوبر إلى استنزاف إيران أقرّ تحقيق الجيش الإسرائيلي بأنه قلّل بصورة خطرة من قدرات حماس وفشل في حماية المدنيين يوم الهجوم. لكن المسؤولية السياسية ما زالت موضع صراع، في ظل مقاومة نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة. وهذا يسمح له بتأجيل المحاسبة، لكنه يُبقي الإخفاق حاضراً في الحملة الانتخابية، ويمنح خصومه فرصة للقول إن الرجل الذي بنى شرعيته على الردع كان على رأس الحكومة عندما انهار ذلك الردع. حاول نتنياهو ترميم صورته عبر العمليات العسكرية اللاحقة ضد حماس وحزب الله وإيران. وأظهر مسح معهد دراسات الأمن القومي في تموز/ يوليو الماضي، أن 31% فقط يثقون بنتنياهو، مقابل 67% عبروا عن ثقة منخفضة به. هذه الفجوة هي جوهر أزمته، الإسرائيليون قد يؤيدون استخدام القوة من دون أن ينسبوا نجاحاتها إلى نتنياهو، بينما يحملونه كلفة الإخفاقات وطول الحروب وغياب نهايات سياسية واضحة. داخلياً، أصبح ائتلاف نتنياهو عبئاً إضافياً عليه. فخطاب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المتشدد يضيّق هامش الحكومة خارجياً، بينما تحولت قضية إعفاء الحريديم من التجنيد إلى رمز لعدم المساواة. وبعد سنوات من الحرب واستدعاء جنود الاحتياط، يصعب إقناع قطاعات واسعة بأن حماية الائتلاف تبرر استمرار إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة. هنا يظهر غادي آيزنكوت بوصفه أخطر منافسي نتنياهو. فرئيس أركان الجيش السابق لا يقدم نفسه بديلاً للسياسات الأمنية الإسرائيلية، بل قائداً أمنياً من الوسط واليمين يستطيع منافسة نتنياهو داخل ملعبه نفسه. وهذا يمنحه قابلية لاجتذاب بعض ناخبي الليكود، إضافة إلى ناخبي الوسط والكتلة المناهضة لنتنياهو. تضع استطلاعات حديثة حزب آيزنكوت، "ياشار"، عند 24 مقعداً مقابل 21 أو 22 لليكود، كما يتقدم آيزنكوت على نتنياهو بنحو عشر نقاط في سؤال المرشح الأنسب لرئاسة الحكومة. والأهم أنه يملك نظرياً مسارات ائتلافية أوسع، إذ يستطيع التفاوض مع نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان، وربما مع الأحزاب الحريدية أيضاً. تركيا وكلفة الحروب في حسابات الناخبين يمنح التصعيد مع تركيا في سوريا، نتنياهو فرصة لتقديم خصم إقليمي جديد وإعادة الانتخابات إلى موضوع الأمن. لكن المبعوث الأميركي توم باراك قال إنَّ المعلومات الأميركية لم تثبت انتقال قوات تركية إلى قاعدة أبو الظهور التي قصفتها إسرائيل، محذراً من أن سوء التقدير قد يقود إلى مواجهة أوسع. ولن تحسم الانتخابات على أساس السجل الأمني وحده. فاستمرار التعبئة العسكرية وارتفاع تكاليف المعيشة وإرهاق جنود الاحتياط، قد يحول الاقتراع إلى محاسبة على إدارة الحرب، لا على نتائج العمليات العسكرية فقط. وهنا تتسع مشكلة نتنياهو، فحتى الناخب الذي يؤيد ضرب إيران أو مواصلة الضغط على حماس، قد يرفض حرباً بلا نهاية سياسية واضحة، أو حكومة تبدو منشغلة ببقائها أكثر من انشغالها بإعادة بناء الثقة والمؤسسات بعد 7 أكتوبر. قد ينجح نتنياهو مجدداً في تعبئة القلق الأمني لدى الناخبين وتحويله إلى أصوات، كما يستطيع بخبرته في المساومة استغلال الخلافات داخل المعارضة بعد الانتخابات. فالاستطلاعات لا تتجاوز كونها صورة للحظة متغيرة، وفي النظام الإسرائيلي لا تكفي صدارة المقاعد، بل يجب بناء ائتلاف يضم 61 نائباً. إلا أن الخطر على نتنياهو هذه المرة هو أن الناخب الإسرائيلي لم يعد يختار بين رجل خبير بالأمن وخصوم يفتقرون إلى الخبرة، بل بين رجلين أمنيين، أحدهما يطالب بولاية جديدة استناداً إلى خبرته الطويلة بالحكم، والآخر يقول إن تلك الخبرة نفسها لم تعد تمنع الكوارث أو تنهي الحروب. وهذه هي المعركة التي قد تحدد نهاية عصر نتنياهو أو تمديده.