لم يكن أهمّ ما في صورة القمّة المتعدّدة الأطراف في نيويورك أن يصافح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب رئيس الحكومة نواف سلام أو يتجاوزه للحظات. الأهمّ أنّ سلام كان موجوداً أصلاً داخل الغرفة، جالساً إلى طاولة ضمّت ترامب وقادة ومسؤولين من دول الخليج وتركيا ومصر والأردن وسوريا والعراق، فيما كانت إيران وأمن المنطقة وخفض التصعيد تتصدّر جدول النقاش. في لحظة صار فيها لبنان ملفّاً ثانويّاً على سلّم الأولويّات الأميركيّة والدوليّة، لم يكن إدخاله إلى تلك الغرفة تفصيلاً بروتوكوليّاً. المقعد لا يعني أنّ لبنان تحوّل فجأة إلى أولويّة، ولا أنّ قراره صار مسموعاً بالقدر نفسه الذي تُسمع فيه قرارات الدول الكبرى. لكنّه يعني أنّه لم يُترك خارج الطاولة التي تُناقش فوقها أزمات المنطقة، وأنّ رئيس حكومته نجح في تأمين الحضور الضروريّ قبل البحث في القدرة على التأثير. كان السجال حول عدم مصافحة ترامب لسلام تافهاً، لا لأنّ البروتوكول يخلو دائماً من الدلالات، بل لأنّ هذه الواقعة تحديداً لا تسع كلّ هذه الحمولة السياسيّة التي أُسقطت عليها. صافح ترامب عدداً من الحاضرين عند دخوله، ثمّ صافح الباقين لدى مغادرته. التقطت الكاميرا لحظة ناقصة، وبُنيت عليها رواية كاملة عن إهانة لبنان أو سقوط موقع رئيس حكومته. حتّى لو لم تحصل المصافحة، لما اختُصر المشهد بها. الدبلوماسيّة لا تُقاس بحرارة الكفّ، بل بمن يدخل الغرفة، وما الذي يقوله فيها، وما إذا كان قادراً على نقل ملفّ بلاده من الهامش إلى النقاش. تحويل ثوانٍ بروتوكوليّة إلى معيار للرحلة سمح بتجاهل السؤال الأهمّ: كيف وصل لبنان، على ثانويّة ملفّه، إلى اجتماع إقليميّ ضيّق رأسَه ترامب؟ برنامج بهذه الكثافة لا يُرتجل على هامش الجمعيّة العامّة، ولا يُنجز بعد الوصول إلى مطار جون كينيدي. هو نتيجة تحضير واتّصالات وقراءة دقيقة للّحظة الإقليميّة، وهذا بحدّ ذاته جزء من النجاح الشخصيّ والسياسيّ لنوّاف سلام. نيويورك ليست محطّة عابرة في سيرة سلام. فهو أمضى عشرة أعوام، بين 2007 و2017، سفيراً للبنان ومندوباً دائماً له لدى الأمم المتّحدة، ورأس مجلس الأمن مرّتين خلال عضويّة لبنان فيه، قبل أن ينتقل إلى محكمة العدل الدوليّة قاضياً ثمّ رئيساً لها. عاد هذه المرّة إلى الممرّات نفسها رئيساً للحكومة لا ممثّلاً ينقل موقف الدولة فحسب، بل مسؤول عن صياغته وتنفيذه والدفاع عن كلفته. ظهرت خبرته في شكل البرنامج ومضمونه، كما في كلمته أمام الجمعية العامّة التي ثبّت فيها مواقف لبنان بوضوح ومن دون مواربة: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها، ورفض تحويل لبنان ساحةً للصراعات الإقليمية. قال سلام هذه المواقف بهدوء وثبات وثقة، من دون خطاب مرتفع السقف أو لغة انفعالية. ومع الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، وضع ملفّ ما بعد «اليونيفيل» على الطاولة، مطالباً باستمرار وجود دوليّ تحت مظلّة الأمم المتّحدة يؤدّي مهمّات المراقبة والإفادة والتواصل، بالتوازي مع دعم انتشار الدولة في الجنوب. وطرح أيضاً الانتقال من الاستجابة الإنسانيّة إلى العودة والتعافي، في بلد لا يزال فيه مئات آلاف النازحين. الأكثر دلالة أنّ سلام لم يكتفِ بحضور اجتماعات دعا إليها الآخرون. إلى جانب مفوّضة الاتّحاد الأوروبيّ لشؤون المتوسّط ومدير برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ، رأَس اجتماعاً رفيع المستوى بعنوان “ما بعد الأزمات”، شارك فيه مسؤولون من البنك الدوليّ و”اليونيسف” ودول ومؤسّسات مانحة. قدّم فيه لبنان لا بوصفه طالب مساعدة فقط، بل تجربة يمكن أن تُبنى عليها مقاربة دوليّة: تمويل الإغاثة والعودة والتعافي بالتوازي، وتعزيز مؤسّسات الدولة بدلاً من إنشاء منظومات موازية لها. هذه الزاوية تختصر فلسفة الرحلة: إعادة الدولة إلى مركز الدعم الدوليّ. وقد اقترنت بكلام مفوّضة الاتّحاد الأوروبيّ عن بدء صرف الدفعة الثانية، وقيمتها 500 مليون يورو، من الحزمة المخصّصة للبنان. ليست النتيجة حلّاً للأزمة، لكنّها تمنح الحضور مضموناً يتجاوز الصور. بقي اللقاء مع الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان الاختبار السياسيّ الأصعب. فبحضور وزيرَي الخارجيّة يوسف رجّي وعبّاس عراقجي، لم يذهب سلام إلى مجاملة طهران ولا إلى قطع الجسور معها. قال للرئيس الإيرانيّ إنّ لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، وإنّه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليميّة أو لتبادل الرسائل. ودعا إلى فتح صفحة جديدة تقوم على علاقة “من دولة إلى دولة”، واحترام السيادة والاستقلال وعدم التدخّل، ثمّ طلب من إيران ترشيح سفير جديد لها في لبنان. جمع سلام في كلامه بين مطلب الانسحاب الإسرائيليّ الكامل ووقف الاعتداءات، وبين بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها. بذلك لم يقدّم