بعد عشرين عاماً على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، تعود صناديق الاقتراع إلى الواجهة. يتمسك الرئيس الفلسطيني محمود عباس بموعد 28 تشرين الثاني/نوفمبر، فيما أعلنت حركة "حماس" مشاركتها، وتتحرك بحثاً عن تحالف انتخابي واسع. وبين حرب غيّرت وجه غزة، وواقع أمني معقد في الضفة الغربية، تتزايد الشكوك في إمكان الوصول فعلاً إلى يوم الاقتراع. فالطريق إلى الانتخابات لا تزال محفوفة بعقبات سياسية وميدانية. المرسوم الرئاسي يشمل القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، ما يجعل القدرة على تنظيم الاقتراع في المناطق الثلاث عقدة أساسية أمام العملية برمتها. ويعيد ذلك إلى الأذهان تجربة 2021، حين أُرجئت انتخابات كان يُفترض أن تنهي سنوات طويلة من الغياب عن صناديق الاقتراع. وعزا عبّاس الإرجاء حينها إلى رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس. يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مراد حرفوش لـ"النهار" إن مرسوماً رئاسياً صدر بالفعل لتحديد موعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 28 تشرين الثاني، على أن يُفتح باب الترشح السبت 26 أيلول/سبتمبر ويستمر حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويشير إلى حراك فصائلي ومجتمعي استعداداً لإجراء الانتخابات بعد غياب عشرين عاماً، رغم وجود أكثر من اتجاه في الساحة الفلسطينية. فهناك من يدعو إلى التأجيل وإجراء حوار وطني شامل وتهيئة الظروف والبيئة المناسبة، في مقابل اتجاه يدفع نحو الالتزام بالموعد المقرر. ويلفت حرفوش إلى أن الرئيس الفلسطيني جدّد الخميس، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمسكه بموعد الانتخابات، معتبراً أن الاستحقاق بات "تعهداً دولياً". ويضيف أن بعض القوائم والأحزاب الفلسطينية بدأت استعداداتها، وأُعلن عن تحالفات حزبية وانتخابية، فيما بدأت قوى أخرى التحضير لقوائمها. في المقابل، يشير حرفوش إلى معوقات قد تحول دون إجراء الانتخابات، في مقدمها الموقف الإسرائيلي، إذ لا يتضح حتى الآن ما إذا كانت إسرائيل ستسمح بإجرائها في القدس وقطاع غزة. ويقول إن إسرائيل تسيطر اليوم على أكثر من 65 في المئة من مساحة قطاع غزة، إلى جانب الإغلاقات والاجتياحات اليومية في الضفة الغربية. ورغم هذه المعوقات، يرى حرفوش أن ثمة "ضرورة ملحّة" لإجراء الانتخابات من أجل تفعيل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وتوحيدها. ويعتبر أنه بعد "حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تبرز أهمية توحيد الجغرافيا الفلسطينية وتفعيل المؤسسات الفلسطينية لتقوم بمسؤولياتها تجاه معاناة الشعب الفلسطيني، وكذلك لمواجهة المخاطر التي تهدد الوجود الفلسطيني، في ظل تصريحات قادة إسرائيل واليمين الإسرائيلي المتطرف وما يطرحه من مخططات وسياسات تدعو إلى طرد الشعب الفلسطيني". رجال يجمعون أغراضهم من أنقاض منزل هدمه الجيش الإسرائيلي في قرية بيت عمروين في الضفة الغربية. (ا ف ب) وبالنسبة إلى السيناريو الأقرب وإمكان إجراء الانتخابات فعلاً، يرى حرفوش أن ذلك يعتمد على قدرة المجتمع الدولي على الضغط على إسرائيل للسماح بإجرائها في القدس وغزة من دون معوقات، وفق الاتفاقيات المعمول بها. ويضيف قائلاً إن منع إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس وغزة سيجعل تنظيمها في الموعد المعلن بالغ الصعوبة. ويعتقد حرفوش كذلك أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية سيكون لها دور في تحديد إمكان إجراء الانتخابات الفلسطينية، موضحاً أن التركيبة الحكومية الإسرائيلية الحالية ترفض السماح بإجرائها في القدس، كما أنها، بحسب تقديره، لن تقبل بتنظيمها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها في قطاع غزة. الانتخابات الفلسطينية "مفروضة" من جهته، يقول الأكاديمي والمختص بالشأن الإسرائيلي الدكتور محمد هلسة لـ"النهار" إن تمسّك عباس بإجراء الانتخابات يبقى "محل شك"، موضحاً أنه لا يرى طرح الانتخابات تعبيراً عن موقف فلسطيني داخلي صرف، أو نتيجة حصرية لنقاشات وحاجات ومشاورات فلسطينية. ويرى هلسة أن القيادة الفلسطينية تدرك أن ملف الانتخابات "مفروض من الخارج"، في إطار الضغوط لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية ومنحها شرعية تسمح باستمرار دعمها. ويضيف أن وصف الانتخابات بأنها "مفروضة" يرتبط أيضاً، برأيه، بعدم اقتناع السلطة في المرحلة الحالية بأنها قادرة على خوض الانتخابات والفوز بها. لذلك، تحاول إظهار جديتها أمام الأطراف التي تضغط عليها لإجراء الاستحقاق، فيما يرى أنها عملياً "غير معنية بإجراء انتخابات في هذه المرحلة". ولا يحصر هلسة أسباب ذلك بالتعقيدات التي تواجه إجراء الانتخابات في القدس وغزة والضفة الغربية، ويربطها أيضاً بصورة السلطة لدى الفلسطينيين، معتبراً أن واقعها في عيون الناس "سلبي" نتيجة عجزها عن أداء وظائفها الأساسية في رعاية شؤونهم على المستويات المالية والإدارية والأمنية. ويشير في هذا السياق إلى ما يصفه بحالة "انفلات المستوطنين"، معتبراً أن السلطة عاجزة عن مو