"وفَسَدت الأرض أمام اللهِ وامتلأت ظُلماً" (تكوين 6: 11)، كلماتٌ يوردها سفر التكوين قُبَيل حدوث الطوفان العظيم، وما زالت إلى يومنا هذا تصف حقيقةً لم تفارق البشرية لحظةً واحدة: فسادٌ وظلمٌ يجريان كنهرٍ جارف، وتاريخٌ متعرّج تتوالى فيه مفاسد ومظالم كثيرة. فأيّ وصفٍ يمكنه أن يستجمع ما تراكم عبر الزمن من خُبثٍ وخراب؟ إنّه غَورُ متاهةٍ لا قعر لها، ودوّامةٌ تعصف بالإنسان وتشوّه عمق كيانه. يقدّم الوحي الكتابي، منذ صفحاته الأولى، مدخلاً أنثروبولوجياً بالغ الدلالة، يكشف أن انحراف الإنسان لا ينحصر في فعلٍ فردي وحسب، بل يمتدّ إلى نسيج الحياة وبنيتها، فيفسد العلاقات، ويشوّه ميزان الحق، ويكسر جوهر العدالة ويبطلها. الكتاب المقدس بعامّة يكشف لنا وجوه الفساد المتعددة، من محبة المال والظلم إلى الرشوة وتحريف الحق، وصولاً إلى طمس الوقائع والتلاعب بالحقيقة، حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الخير والشر. وحين يفقد الإنسان قدرته على ضبط رغباته ومصالحه الخاصة وتنظيمها في ضوء الحق والخير العام، لا يعود الخلل محصوراً في فعلٍ معيّن، بل يتجاوز الأفراد ليطال المجتمع بأسره. ويظهر الخلل المذكور آنفاً حين تغدو الوسيلة غاية. فسفر الجامعة يقول: "مَن يُحبُّ الفِضَّة لا يَشبع من الفضَّة، ومَن يحبُّ الثَّروة لا يَشبعُ من الربح" (جامعة 5: 9). فالمشكلة ليست المال في ذاته، بل في استيلائه على رغبات الإنسان وقراراته، فيتحول من أداةٍ إلى معيارٍ وأولويّة. والمنطق ذاته ينطبق على السلطة؛ فهي مسؤولة عن الخير العام، وتفسد حين تنفصل عن غايتها وتتحول إلى امتياز شخصي أو أداة لإخضاع الآخرين. والأنبياء بدورهم ندّدوا بكلماتٍ قاسية باقتران المال بالنفوذ واستغلال الضعفاء بموازين الغش، فيُشتَرى المسكين بالفضّة والفقير بنعلَين (عاموس 8: 6). النبي ميخا، من ناحيته، يصف مجتمعاً تداخلت فيه السلطة والمال والدين في منظومة واحدة فاسدة: "رؤساؤُه يحكمون بالرَّشوة، وكهنَتُه يُعَلّمون بالأجرة، وأَنبياؤُه يتنبَّؤون بالفضَّة" (ميخا 3: 11). وتتفاقم خطورة الفساد والظلم على نحو أعمق حين يطاولان القضاء، إذ ينالان من المؤسسة الموكلة بإقامة الحق وحماية المظلوم. لذلك يأمر سفر التثنية القضاة بأن "يَقضوا للشعب قضاءً عادلاً"، ويحذّرهم قائلاً: "لا تُحَرّفوا القضاء، ولا تُحابوا أحداً، ولا تأخذوا رشوةً، لأن الرشوة تُعمي عيون الحكماء وتُعَوّج كلام الصادقين". والفساد في القضاء لا يحرّف الحكم فحسب، بل يضرب العدالة في صميمها، إذ يفصل ممارسة السلطة عن غايتها الأساسية، ويحوّل المؤسسة التي يُفترض أن تردّ المظالم إلى أداةٍ لإدامتها. ولا يغفل الكتاب المقدس أيضاً عن امتداد أثر الفساد من الفعل الفردي إلى البنية الاجتماعية، فحين يختلّ ميزان العدل، يتحمّل الأضعف كلفةً تفوق قدرته على حماية حقوقه، وتتحوّل المنفعة الخاصة التي يحققها الفاسد إلى عبءٍ عام يهدّد المجتمع ويقوّضه. ويعبّر سفر الأمثال عن هذا الأمر بقوله: "المَلِكُ بالعَدل يُثَبّتُ الأرض، والقابلُ الهدايا يُدَمّرُها" (أمثال 29: 4). والأخطر من ذلك كلّه أن الفساد يطال اللغة نفسها، فيشوّه معانيها ويقلب دلالاتها، حين تُسمّى المحسوبية مساعدةً، واستغلال النفوذ خدمةً، والرشوة تسهيلاً. وعندما تنفصل اللغة عن الحقيقة، يفقد الإنسان شيئاً من قدرته على تسمية الخير خيراً والشرّ شراً. وهنا تبرز مسؤولية صون الحقيقة بين الناس، وفي الإعلام على وجه الخصوص؛ فالكلمة الصادقة تفضح ما يحاول الفساد ستره. وحين يتواطأ الإعلام مع الفساد بالتعتيم والتبرير، أو بتجميل صورة الفاسدين، فإنه يسهم في طمس الحسّ بالتمييز بين الحق والباطل، وفي تكريس ثقافة الشرّ (متى 23: 27). لذلك لا يقتصر الفساد على انتهاك الحق، بل يقلب جوهر الحقيقة نفسها: "ويلٌ للَّذين يقُولون للشَّر خيراً وللخَير شراً، الَّذين يَجعلون الظَّلام نُوراً والنُّور ظلاماً" (إشعيا 5: 20). ويجد هذا الانقلاب في معيار الحكم على الأشياء جذره في قلب الإنسان، حين تستولي الرغبات الفاسدة على إرادته وتعيد ترتيب غاياته. وفي هذا السياق، يقول بولس إنّ "محبّة المال أصلُ كلّ الشرور" (1 تيموثاوس 6: 10). فالمال، كما ذُكر آنفاً، ليس شراً في ذاته، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التعلّق به إلى قوةٍ توجّه الإرادة وتعيد ترتيب القيم والعلاقات. عندئذٍ، لا يعود الفساد مجرّد انحراف في استعمال الأشياء، بل يصيب الإنسان في تكوين رغباته وفي بنية حياته الأخلاقية. من زاوية أخرى، وفي ضوء فكر أرسطو (384–322 ق.م.)، يترسّخ الفساد في السلوك الإنساني بالممارسة، على غرار تكوّن الفضيلة. فالفضيلة تتشكّل بالممارسة التي تصوغ العادة والشخصية؛ والإنسان يصبح عادلاً حين يعتاد أن يتصرّف بعدل. وعلى نحو مماثل، لا يترسّخ الفساد بفعلٍ واحد، بل بتكرار أفعال الانحراف حتى تضعف مقاومة النفس ل