أباطرة الذكاء الاصطناعي يحذرون اليوم من أن الوحش الموجود في مختبراتهم قد يفني البشر ويقتلهم جميعاً. ويطالبون بتشريعات وقوانين تمنع هذا الوحش من أن يقتلنا. لقد نسينا نحن الأحياء أن شركات الاتصالات في التسعينيات حذّرت من أن الإنترنت المفتوح سيؤدي إلى جرائم غير مسبوقة وانهيار البنية التحتية. والأكبر سناً منا يذكرون ما جرى في السبعينيات، يوم ادّعت IBM أن الحواسيب الشخصية "غير آمنة" و"غير موثوقة" و"قد تضر بالأعمال". والتاريخ يذكرنا أن الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، شهدت موجة تحذير قامت بها شبكات البث الكبرى تدعي أن السماح لمحطات صغيرة بالبث سيخلق فوضى في الأثير ويهدد الأمن القومي. قبل ذلك بعقود، حين حاولت ويستنغهاوس تسويق التيار المتردد الذي ساهم نيكولا تسلا في ابتكاره، أطلق توماس إديسون حملة شعواء لمحاربة هذا التيار. يومها وقف هارولد براون، المتحمس لإديسون، في إحدى الساحات أمام جمهور من المواطنين. أحضر كلباً صغيراً، وصعقه بالتيار، ثم قطاً، ثم حصاناً. كان في كل مرة لا يختبر قدرة التيار المتردد على القتل، بل قدرة الخوف على تعطيل الحياة. كان يمرّر التيار المتردد في أجساد الحيوانات، فتتلوّى، وتصرخ، وتنهار. وكان الجمهور يحدّق، لا في الحيوان، بل في الفكرة التي يريد إديسون إثباتها: هذا التيار قاتل. اليوم تتكرر مسرحية إديسون بحرفها لكن البشر هم من حلوا محل كلاب براون وقططه. حديث أباطرة التكنولوجيا ومموليها عن أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على البشر قريبا، ينطوي على قدر هائل من المخاتلة التسويقية، وتضخيم القوة، والهروب من المسؤولية الفعلية. حين يخرج صانع التقنية ليحذر العالم من أن صنيعته وحش أسطوري خارق قد يفني الحضارة، فهو في الحقيقة لا يعترف بضعف، بل يمارس أقصى درجات الدعاية. إنه يقول للمستثمرين والحكومات والجمهور: انظروا كم هو جبار وخارق ومرعب هذا الشيء الذي أملكه في مختبري. وحين يذهب رؤساء هذه الشركات إلى الكونغرس أو المؤتمرات الدولية ليطالبوا بفرض قيود وتشريعات لحماية البشرية من الفناء، فهم يمارسون تكتيكا قديما يُعرف في الاقتصاد السياسي بـِ "إغلاق الباب خلفهم" (Regulatory Capture). فالتشريعات التي يطالبون بها معقدة ومكلفة جدا، ولا تستطيع الامتثال لها إلا الشركات التريليونية التي تملك مراكز بيانات عملاقة ومحامين وفرق امتثال (مثل مايكروسوفت، وغوغل، وأوبن إيه آي). والهدف الفعلي ليس حماية البشرية من روبوت متمرد، بل خنق أي منافس مفتوح المصدر (Open Source) أو شركات ناشئة صغيرة قد تهدد احتكارهم. الخطر الوجودي الذي يحذرون منه هو مجرد ذريعة لتقنين الاحتكار وجعل تراخيص التطوير حكرا على قلاعهم. وربما يخدم هذا الحديث الهوليوودي عن "القضاء على البشر" و"نهاية العالم" غرضاً نفسياً وسياسياً بالغ الخبث: صرف الانتباه عن الكوارث الحقيقية والملموسة التي تحدث اليوم. فالتركيز على خطر مستقبلي خيالي يعفيهم من المحاسبة على: استنزاف شبكات الطاقة والمياه، وتدمير الوظائف الكتابية والمهنية، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وتكريس المراقبة الشاملة، وخصخصة الفضاء العام. من الأسهل أخلاقياً وقانونياً أن تناقش كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من تدمير الكوكب بعد عشرين عاما، بدلا من أن تجيب عن سؤال: لماذا تستهلك مراكز بياناتكم طاقة مدينة كاملة دون أن تدفعوا ثمن تدمير البنية التحتية المحلية؟ الحقيقة التقنية الصلبة هي أن هذه النماذج، مهما بلغت براعتها اللغوية والحسابية، ليست كائنات حية. لا تملك وعياً، ولا رغبة في البقاء، ولا حقداً بيولوجياً يدفعها للافتراس. هي مصفوفات رياضية لمعالجة الإحصاء والبيانات. الكائن الوحيد الذي يفترس الموارد ويهمّش المجتمعات ليس الخوارزمية، بل المؤسسة الرأسمالية والسيادية التي تديرها. الخطر الحقيقي ليس في أن تستيقظ الآلة لتبيدنا، بل في ما يفعله هؤلاء الرجال بالبشر وهم بكامل وعيهم: تحويل المجتمع إلى محمية مستهلكين تُدار من فوق، وجعل الإنسان كائنا فائضا عن الحاجة في معادلات إنتاج القيمة والقوة. لم يكن إديسون يخشى على حياة الكلاب في ساحات نيويورك، بل كان يخشى على إمبراطوريته من تيار ويستنغهاوس. واليوم يُقاد البشر إلى الساحة ذاتها، ليشهدوا إعدام حريتهم باسم حمايتهم من الصعق. يبقى أن عاصفة التخويف الراهنة تلعب دوراً موارباً في قطاع الوظائف. الحاجة إلى تشريعات ترعى احتكار الكبار للمجال الذي بدأ يهيمن على مستقبل البشر، ستفتح الباب واسعاً أمام فئة من التكنوقراط لا تحصى عدداً. والأرجح أنها كسابقاتها، ستعمل على تقنين الاعتراض ومنعه بالقوانين والأعراف. مثلما حدث من قبل مع كل تقنية هيمنت على حياتنا. هذا يعني أن وظائف كثيرة سيتم خلقها من العدم. فقط لتمكين هذه السلطات المحدودة من منع أي طامح أن يشاركها في السلطة والثروة. ذلك أن هذه السلطات، كمثل سابقا