لم تكن موجة السجال الواسعة حول تسريبات مفتي سوريا أسامة الرفاعي مجرد عراك إلكتروني - ربما لن ينتهي أبداً - بين المدرستين السلفية والصوفية الأشعرية، نظراً إلى الخلاف العقائدي بينهما، إنما كشفت عن أزمة أعمق ذات بعد سياسي تتعلق بهوية سوريا الدينية. انتقادات ودفاع عن الرفاعي وربما تتضح تلك الأزمة في محاولة فرض كل مدرسة رأيها على الأخرى بعد تصريحات الرفاعي، التي أدت إلى موجة انتقادات واسعة ضد مفتي سوريا من قبل حسابات ومنصات تدين بالولاء للتيار السلفي، إضافة إلى أشخاص ودعاة كانوا يشغلون مناصب شرعية في فصائل ذابت ضمن الجيش السوري الجديد، أبرزها هيئة تحرير الشام وأحرار الشام وجيش الإسلام، في مقابل دفاع شرس عن تصريحات المفتي من قبل المنتسبين إلى المدرسة الصوفية الأشعرية.وكان الشيخ الرفاعي قد أثار، قبل أيام، في مقطع فيديو قديم أعيد نشره على نطاق واسع، جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، وذلك بعد حديثه لوفد إندونيسي عن التحولات الفكرية للرئيس السوري أحمد الشرع، ما دفع مكتب الشيخ إلى إصدار بيان توضيحي يؤكد فيه وحدة الصف وتجاوز الخلافات المذهبية.وأشار الرفاعي في التسريبات إلى أنه رفض في السابق لقاء قيادات في "هيئة تحرير الشام" أثناء وجوده في إسطنبول، واصفاً فكرهم في تلك المرحلة بـ"المتشدد والتكفيري والوهابي". وأضاف الشيخ أن قيادة الهيئة - في إشارة إلى الشرع - تخلت عن ذلك الخطاب، وباتت تتبنى منهج "الأشاعرة" وأهل السنة والجماعة، وهو ما مهّد لاحقاً لتقارب أثمر عن تشكيل "المجلس الأعلى للإفتاء" وتوحيد المرجعيات الشرعية.لكن تياراً واسعاً، يضم دعاة محسوبين على المدرسة السلفية، انتقد استخدام مصطلح "الوهابية"، معتبراً أنه يقصي شريحة واسعة شاركت في المعارك على الأرض السورية.وفي مسعى لاحتواء تداعيات التسريبات، أصدر الرفاعي بياناً توضيحاً، أكد فيه التزامه بـ"ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي"، مشدداً على أن مصطلح "أهل السنة والجماعة" يشمل المدارس الثلاث: الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث (السلفية)، داعياً إلى الابتعاد عن المصطلحات التي تثير الفرقة، والتركيز على التعايش المشترك ووحدة الصف السوري في هذه المرحلة الحساسة. "حديث الرفاعي للطمأنة"ويرى الباحث السياسي درويش خليفة، في حديث لـ"المدن"، أن حديث المفتي عن انتقال الرئيس الشرع من خلفية جهادية سلفية إلى التوجه الصوفي الأشعري جاء في سياق لقاء مع مجموعة تنتمي إلى هذا التيار، مرجحاً أن الهدف كان طمأنتهم إلى أن "سوريا المستقبل ليست سوريا التي يجري تصويرها باعتبارها دولة ذات طابع ديني متشدد تفرض رؤيتها على مجتمع سوري متنوع ومتعدد".وتحدثت "المدن" مع شخصيتين على مقربة من الرفاعي، طلبتا عدم ذكر هويتيهما، وأشارتا إلى أن إعادة تسريب التصريح في هذا التوقيت، "ربما" كانت "متعمدة" من قبل شخصية محسوبة على المدرسة السلفية، لم تسمياها، تبوأت اليوم منصباً شرعياً حساساً داخل أروقة القصر الجمهوري بالقرب من الرئيس السوري.ورجحت الشخصيتان أن يكون الهدف من التسريبات هو المعرفة المسبقة بما ستحدثه من موجة انتقادات والرد عليها، ودفع الشيخ الرفاعي إلى الاعتذار - وهو ما حدث - وبالتالي إضعاف مفتي سوريا أمام حاضنته الاجتماعية من المدرسة الصوفية الأشعرية، لحساب "تمدد المدرسة السلفية عبر إظهار صدق أفكارها ودعاتها" داخل المجتمع السوري على مراحل، وعليه "تغيير هوية سوريا الدينية"، حسب قولهما.لكن الشخصيتين أشارتا إلى أن الصدام بين المدرستين على الأرض مستبعد الحدوث، وسيبقى حبيس منصات التواصل الاجتماعي، لأن السلطات السورية لم تعمل حتى الآن على تغيير تركيبة الدعاة وخطباء المساجد ومنصبي المفتي ووزير الأوقاف، المعينين من المدرسة الصوفية الأشعرية التي تمثل الثقل الأكبر في أكبر تجمعين سكانيين في سوريا، وهما مدينتا دمشق وحلب.كما أدرجت الشخصيتان تداول مقطع قديم لوزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، المحسوب على الصوفية الأشعرية، ضمن الهدف ذاته، إذ تحدث الوزير عن أنه لا يعنيه موقع الوزارة أو السلطة، وأنه قد يستقيل أو يبتعد عن العمل العام في أي وقت. وأشارتا إلى أن المقطعين يعودان إلى ما قبل نحو سنة ونصف، وأن تسريبهما وتداولهما في توقيت واحد يثبت أن الهدف نفسه. درويش: لا لتعميق المشكلة من جانبه، يرى الباحث خليفة أن إعادة تداول مثل هذه المقاطع خارج سياقها، وتضخيمها والاستثمار فيها من قبل بعض المتشددين في كلا الاتجاهين، سواء الصوفي أو السلفي، لا تؤدي إلا إلى تعميق المشكلة.ويضيف أن سياسيين، بينهم وزراء خارجية سابقون كانوا داعمين لنظام بشار الأسد، تحدثوا عن ظاهرة الخلافات داخل التيارات الإسلامية، وصولاً إلى القول إن هذه التيارات كثيراً ما تنتهي إلى صراعات داخلية فيما بينها. وتابع: "نحن كسوريين لا نريد إعادة إنتاج هذا المسار".ويحذر خليفة من محاولات تف