تستعير مسرحية "مش للكل" مفردات الديستوبيا ومدن الفوضى والذكاء الاصطناعي، لكنها تعيد صياغتها من خلال حساسية لبنانية واضحة، حيث يتحول الواقع المحلي ودوائره الرسمية إلى فضاء عبثي ضاحك حتى حدود السخرية السوداء. المسرحية من كتابة وإخراج سارة عبدو وكريم شبلي، وقد سبق لهذا الثنائي أن قدم أعمالاً مسرحية كوميدية تحدثت عن مواضيع شائكة صغوها بحرفة كتابية وأدائية، لا سيما مسرحية "غمض عين فتح عين" و"معمول" و"جرة غاز"...أعمال مركبة تبحث عن الكوميديا الاجتماعية السوداء بسلاسة حواريتها وتعقيدات رموزها المرسلة الى الجمهور. لا يمكن اختزال مسرحية "مش للكل" بتنامي حضور "الذكاء الاصطناعي" ومخاطره في حياتنا، بل تذهب بطرحها بل الى دلالات وتعقيدات الآلات المتكاثرة في يومياتنا وتضعنا أمام أسئلة الحرية والإرادة والذاكرة والتربية والحب والإنجاب، بل أمام السؤال الأكثر جوهرية: ما الذي يجعل الإنسان صالحاً لأن يكون إنساناً؟ منذ انطلاقة العرض، تأخذنا السينوغرافيا المختزلة والمقفلة في كادراتها وإضاءتها، حيث يسجن في إطارها مواطنان خاضعان لمنظومة تقنية وإدارية تملك سلطة تقرير مصائر البشر. يتحول الإنسان إلى "ملف" يحمل رقماً، ويصبح الإنجاب والأبوة حقاً مشروطاً بالنجاح في سلسلة من الاختبارات الطبية والنفسية والتربوية والذهنية. وفي هذا التحويل من الإنسان إلى رقم تكمن إحدى أهم آليات العرض النقدية: فحين يصبح الفرد موضوعاً للتقييم المستمر، تتراجع فردانيته لمصلحة نظام تصنيفي يدّعي الموضوعية والدقة، لكنه في الواقع يمارس شكلاً جديداً من السلطة. لا يكشف العرض منذ لحظاته الأولى جميع قواعد العالم الذي يقترحه. يحتاج المتلقي إلى وقت كي يفهم طبيعة المكان والزمان والظروف التي أوصلت الملفين 981 و264 إلى هذه الدائرة الرسمية الغامضة. وهذا التأخير في إنتاج المعنى يبدو مقصوداً من جهة، إذ يجعل الجمهور شريكاً في عملية اكتشاف النظام، لكنه يتحول في بعض المواضع إلى عنصر يبطئ الإيقاع الدرامي. يجد المتفرج نفسه أمام رجلين لم يعودا، في منطق المؤسسة، شخصيتين كاملتين، بل ملفين يخضعان لإجراءات واختبارات متتابعة. اختبار البول، والاختبارات الجسدية، واختبار الذكاء، والاختبارات النفسية والتربوية، وصولاً إلى المنافسة النهائية، كلها تشكل سلسلة بيروقراطية تسعى إلى اختزال الإنسان في مجموعة من المؤشرات القابلة للقياس. هنا ينجح النص في بناء مفارقة مركزية: النظام يدّعي أنه يسعى إلى حماية الأجيال المقبلة ومنع انتقال التروما والاختلالات النفسية والاجتماعية من جيل إلى آخر، لكنه في الوقت نفسه يمارس على الإنسان عنفاً مؤسسياً يسلبه حقه في الاختيار. يصبح السؤال إذن ليس ما إذا كان النظام "ذكياً"، بل ما إذا كان يحق له أن يمتلك سلطة القرار. هنا تتحول الكوميديا إلى وسيلة لقراءة الحاضر لا إلى مجرد أداة ترويح وتنفيس. فالضحك الذي يولده النظام البيروقراطي الغريب/ يحمل في داخله احتمالاً مقلقاً: أن يكون المستقبل الذي تبدو قواعده عبثية امتداداً مضخماً لبعض آليات الحاضر. مرة جديدة ينجح الثنائي (عبدو وشبلي) في استخراج الضحك من مواضيع شائكة شديدة التعقيد، وبسلاسة كتابية وحلول إخراجية بسيطة تدخلنا العالم المتخيل مع إدارة ممثلين اجتمعوا في العرض على اختلاف أدواتهم. نور حجار الآتي من منصات الستاند آب كوميدي، بعفويته وسرعة بديهيته، يتشارك مع إيلي متري حرفية الممثل المتنقل بين الأنواع الأدائية، فيذهب في الكوميديا إلى أقصاها، ويظهر وجه الإنسان المكسور والمهمش بتلعثمه وضعفه. وما بين الرجلين تقدّم سارة عبدو شخصية أدائية مختلفة، تنطلق من دور النظام الآلي الذي يعتمد على قسوة الجسد المحدّد والمسنن في ضبط حركي وبرودة صوت وتعبير وجه مقيد بانضباط وثبات. يرافق الممثلين الثلاث، الصوت، أو سلطة النظام وحضوره الطاغي في العرض، والذي يمثل الآلة الغائبة جسدياً والحاضرة سلطوياً. نور حجار الآتي من منصات الستاند آب كوميدي، بعفويته وسرعة بديهيته يتشارك مع إيلي متري حرفية الممثل المتنقل بين الأنواع الأدائية، فيذهب في الكوميديا إلى أقصاها، ليكمل وجه الإنسان المكسور ويعزز أداء سارة عبدو هذه المفارقة؛ فالصوت البارد والحركة المحكومة والتعبير المحدود، كلها لا تقدم الآلة بوصفها كائناً شريراً، بل بوصفها نظاماً وظيفياً لا يعترف بالعاطفة كقيمة مستقلة. في المقابل، يصبح انفعال الرجلين مصدراً للفوضى التي لا يستطيع النظام استيعابها بالكامل. يتعبان، يعترضان، يتذمران، يستعيدان الذكريات، ويتحدثان عن تجاربهما وآلامهما. أي إن ما يراه النظام "تشويشاً" يصبح هنا جوهر الإنسانية نفسها. تكمن أهمية المسرحية في أنها لا تجعل التكنولوجيا وحدها موضوعاً للنقد. فالمشكلة لا تبدأ حين تظهر الآلة، بل حين يقبل الإنسان منحها سلطة تتجاوز حدود وظيفتها. ومن هنا تصبح "مش للكل" مسر