مدرسة الناصرة بين الماضي المشرق والمستقبل المجهول هي أكثر من مدرسة ودير للراهبات، هي جزء من ذاكرة بيروت ومدماك من مداميك حياتها التربوية والاجتماعية والثقافية ونهضتها النسائية. اسمها تحوّل إلى حي عريق في قلب بيروت، وصيتها كان رمزًا للأرستقراطية البيروتية. صمدت أثناء الحرب رغم قربها من خطوط التماس، وحافظت في زمن التردي التربوي والاجتماعي على مكانتها كصرح ثقافي فرنكوفوني يفتخر بأعلى النتائج. وسط بحر من التغيّرات التي فتكت بلبنان وبعاصمته، حافظت على هويتها وقيمها التقليدية. إنها مدرسة الناصرة التي تجابه اليوم خطر فقدان الهوية والذوبان في كنف رهبنة أخرى، أو ربما تجابه ما هو أخطر وأبعد من ذلك بكثير. أولياء الطلاب، كما الأساتذة وقدامى المدرسة، تحرّكوا ورفعوا الصوت عاليًا، وأماطوا اللثام عما كان يحاك في الخفاء. إشارات غامضة كانت قد بدأت تظهر تلاويحها، وشائعات غير معروفة المصدر بدأ يتم تداولها هنا وهناك. لا شيء مؤكد، لكن ثمة ما يحدث في الكواليس. راهبات الناصرة متكتمات، لكن همسات وصلت إلى الأسماع بأن دير الناصرة سيتم بيعه أو تأجيره أو دمجه مع رهبانية أخرى. وتم تداول اسم الرهبانية اللبنانية الأنطونية كما الرهبانية اليسوعية. وقيل أيضًا إن عدد راهبات الناصرة في العالم إلى تراجع، ولم يبق منهن إلا 25، وست فقط في لبنان، وإن الفاتيكان، في هذه الحال، يتدخل لإيجاد حل للرهبنة وتأمين البديل المناسب. حتى الآن لا يقين ثابت، ولكن ما يجري يطرح أكثر من علامة استفهام، لا بل يبدو وكأن ثمة عقدة مخفية تحاك في مكان ما. لكن تحركات محبي الناصرة حوّلت الملف إلى قضية رأي عام، وما عاد بالإمكان تجاهله. ليست مدرسة الناصرة المدرسة الأولى في بيروت التي تشهد خطر انتقال الملكية، فقد سبقتها مدرستان عريقتان من مدارس العاصمة عاشتا المسار نفسه: مدرسة راهبات الكبوشية في وسط الحمرا، وليسيه عبد القادر في منطقة البطركية - زقاق البلاط. الأسباب ليست حتمًا تربوية، بل ثمة مصالح تجارية تقف خلف قرارات البيع. فالعقارات في العاصمة ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، وصارت قيمة الأراضي التي شُيّدت عليها المدارس الثلاث خيالية. فهل السبب في البيع هو الربح المادي واستثمار أراض تقع في أرقى وأغلى المناطق البيروتية أم مجرد تغيير إدارة؟ سؤال مقلق لا جواب واضحًا له، ولكن في حالة الناصرة لا تزال الأوضاع مبهمة جدًّا وتستدعي سؤالا آخر: هل تحتمل منطقة الأشرفية بيع عقار بهذا الحجم، حيث إن مساحة الأرض تقارب 35000 متر مربع، ما يعني أن رئة الأشرفية وآخر منطقة مشجرة فيها قد تكون عرضة للزوال أو استبدال هوية مالكيها وطائفتهم ربما؟ ومن القادر على دفع ثمن عقار بهذا الحجم، علمًا أن أرضًا قريبة بمساحة 2000 متر بيعت بـ15 مليون دولار...؟ حتى الآن لا يُحكى صراحة عن بيع خارج إطار الرهبانيات، وما يتم تداوله هو تغيير الرهبانية التي ستتولى إدارة المدرسة. ولكن هل هذا التغيير سيتم من خلال بيع المدرسة وأرضها، أم من خلال إيجار طويل الأمد لـ99 عامًا، أو عبر إيجار تملكي؟ لا شيء أكيد ومثبت. وثمة سؤال آخر يطرحه البعض عن حسن أو سوء نية: كيف لرهبانيات محلية ليس لها امتدادات أوروبية أو خارجية أن تستثمر أو تستأجر أو تشتري عقارًا بهذا الحجم، وكل المؤسسات التربوية اللبنانية، الدينية أو المدنية، تشكو من تداعيات الأزمة المالية، والمدارس كما الجامعات التي تديرها الرهبانيات تئن من عدم قدرتها على دفع رواتب معلميها وموظفيها، وتطالب بزيادة على الأقساط لتتمكن من تلبية احتياجاتها المالية؟ تاريخيًّا تم إنشاء دير ومدرسة سيدات الناصرة، كما كانت تسمية الراهبات آنذاك، في بيروت بطلب من المونسينيور فاليرغا، بطريرك اللاتين، لمواجهة المد البروتستانتي الذي كان زاحفًا إلى لبنان وبيروت بوجه الخصوص مع إنشاء الجامعة الأميركية في العام 1866. وفي العام 1868 تم استئجار القصر الأزرق من عائلة دو فريج ليكون مدرسة للطالبات من بنات العائلات المسيحية البيروتية الأرستقراطية، وشهد أولى طالباته في 7 تشرين الأول من ذلك العام. لكن القصر ما عاد يتسع لعدد الطالبات، فتم في العام 1870 شراء الأرض في منطقة الناصرة بعد مداولات طويلة بين Mere de Vaux، رئيسة الدير، وصاحب الأرض "شيخ التلة" حسن بيضون، كما يروي المختار أحمد سعيد بيضون في حديث له ورد في صفحة تراث بيروت. ووعد بيضون الراهبة الأم بأن أبناءه سيتساهلون معها بالسعر، وذلك لأنه بحاجة ماسة إلى المال لإعفائهم من العسكرية الإجبارية أيام الحكم العثماني. لكن الطريف في القصة أن الشيخ كان قد دفن ليرات ذهبية تحت إحدى زيتونات الأرض، ومع التقدم في السن نسي أين دفنها، وهكذا بيعت الأرض واختفى بعدها كنزه المدفون. وفي خبرية أخرى يقال إن آل بيضون قدموا الأرض شرط أن تتعلم بنات العائلة في المدرسة. من جهة الراهبات، كان قد سبق اختيار قطعة