مع اقتراب انتهاء ولاية "اليونيفيل" والمشاورات على هامش الدورة العادية للأمم المتحدة، لم يعد السؤال الأساسي هل القوة الدولية ستغادر الجنوب؟ بل ماذا سيحدث في اليوم التالي لخروجها؟ فقرار مجلس الأمن ٢٧٩٠ نص على وقف عمليات "اليونيفيل" في نهاية ٢٠٢٦ وبدء انسحاب منظم وآمن يستكمل خلال عام، بهدف الوصول تدريجاً إلى تولي الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب. لكن لبنان يتحرك حالياً على أساس أن الانتقال لا يمكن أن يتم عبر فراغ بين انتهاء المهمة الدولية وتولي الجيش اللبناني كامل مسؤولياتها. وهذا ما برز بوضوح في نيويورك، حيث شدد رئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة تجنب الفراغ، والعمل على إطار لاستمرار الوجود الدولي في الجنوب بما يحافظ على مهمات المراقبة وإعداد التقارير والاتصال، بالتوازي مع دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته. وهذه النقطة يجب أن تكون أساس المرحلة المقبلة: لا خروج من دون بديل، ولا بديل على حساب مسؤولية الدولة اللبنانية. المطلوب هو الانتقال تدريجاً من "اليونيفيل" إلى صيغة جديدة، وليس الانتقال المفاجئ من وجود دولي إلى انتشار لبناني كامل. كلما انسحبت "اليونيفيل" من موقع، يجب أن يكون الجيش اللبناني جاهزاً لتولي مسؤوليته. وكلما تقلصت مهمة دولية، يجب أن تكون هناك آلية بديلة تضمن المراقبة والاتصال ومنع التصعيد. ويعني ذلك وضع جدول انتقال واضح يحدد المواقع والمهمات والقدرات التي ستنتقل إلى الجيش، مع تقييم دوري لجاهزيته قبل كل مرحلة من مراحل الانسحاب. فالهدف ليس المحافظة على "اليونيفيل" بالشكل نفسه إلى أجل غير محدد، وإنما تلافي الفراغ الأمني. إذا كانت الدولة اللبنانية تريد أن تصبح الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، فإن الأولوية هي رفع قدرة الجيش قبل اكتمال الانسحاب. وهذا يعني توفير المعدات ووسائل الاتصال والنقل والمراقبة والاستطلاع، وزيادة القدرة البشرية والتدريب، إضافة إلى تأمين التمويل المستدام. وهذا ما يفسر أهمية اجتماع باريس في إطار "مسار العقبة"، الذي ركز على تقييم حاجات الجيش اللبناني وتنسيق المساعدة الدولية العملية له، بما يعزز قدرته على بسط سلطة الدولة. لكن الدعم الدولي المطلوب يجب أن يكون محدد الهدف: بناء جيش قادر على تولي المسؤولية، وليس إنشاء بديل دائم من الدولي. في المقابل، لا يستطيع الجيش اللبناني في المرحلة الأولى أن يتولى جميع الوظائف التي أدتها "اليونيفيل". لذلك تبرز الحاجة إلى صيغة دولية انتقالية، قد تكون أممية أو متعددة الجنسيات وفق ما يتم التوافق عليه، تركز على وظائف محددة: المراقبة، وتبادل المعلومات، والاتصال، والتحقق من الخروق، والمساعدة في احتواء الحوادث. وتشير التحركات الدولية في باريس ونيويورك إلى أن البحث جارٍ في مثل هذه الترتيبات، مع مناقشة صيغ دولية أو أوروبية لدعم الجيش ومنع الفراغ. على أن تكون هذه الآلية مكمّلة للجيش وليست منافسة له. المشكلة ليست عسكرية فقط. فالجيش يستطيع الانتشار، لكنه لا يستطيع وحده حل النزاع اللبناني ـ الإسرائيلي. أي انتقال ناجح يحتاج إلى مسار سياسي موازٍ يعالج الملفات التي تؤثر مباشرة في الأمن: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، والحدود، الخروق، وترتيبات وقف الأعمال العدائية. وهنا تكمن أهمية الدور الدولي بعد "اليونيفيل": ليس فقط في المراقبة، بل في توفير الغطاء السياسي والديبلوماسي الذي يسمح بمنع الحوادث من التحول إلى مواجهة. فالقرار ٢٧٩٠ نفسه ربط الانتقال بتنفيذ القرار ١٧٠١، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من المواقع الموجودة في الأراضي اللبنانية، ودعا السلطات اللبنانية إلى الانتشار فيها بدعم من "اليونيفيل". اختبار المرحلة سيكون ميدانياً لا يمكن قياس نجاح الخطة بعديد القوة الدولية التي تغادر، وإنما بما إذا كانت الدولة اللبنانية قد أصبحت قادرة على ملء الوظائف التي تنتقل إليها. ولهذا يجب اعتماد معايير واضحة قبل كل مرحلة: قدرة الجيش على الانتشار، توافر المعدات والتمويل، السيطرة على المواقع التي يتم إخلاؤها، استمرار قنوات الاتصال، وقدرة الآلية الدولية الجديدة على منع التصعيد. وما لم تتوافر هذه الشروط، ينبغي معالجة الخلل قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. وهذا مهم خصوصاً في المناطق التي لا تزال فيها القوات الإسرائيلية موجودة، إذ أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن عملية تسليم بعض مواقع "اليونيفيل" تواجه تعقيدات ميدانية بسبب وجودها في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. المرحلة المقبلة إذاً ليست معركة بين خيار استمرار القوة الدولية وخيار رحيلها. المسألة هي كيفية الانتقال من وجود دولي يتولى جزءاً من المسؤولية الأمنية إلى شراكة دولية تساعد الدولة اللبنانية على تولي هذه المسؤولية. وهذا يفسر لماذا يطالب لبنان، في تحركه الديبلوماسي الحالي، باستمرار وجود دولي في الجنوب، وفي