تجري الانتخابات العامة الإسرائيلية بعد شهر من الآن تقريباً، وبعد مرور ثلاثة أعوام على الحرب التي غيّرت مجريات العديد من المسارات في الإقليم والعالم. وعلى الرغم من أهمية هذه الحرب وما جرى فيها، فإنها بالكاد صاحبة تأثير واسع على هذه الانتخابات إلا من الناحية الظاهرية. فثمة نوع من الإجماع تقريباً حول ما جرى بشأنها وإن تراكمت على جانبي الصورة خلافات حول أمرين هامين: نظرية الخيانة الداخلية التي نادى بها قادة اليمين، ومطلب لجنة التحقيق الرسمية الذي طالب به الآخرون. وعمد كثيرون إلى تلخيص الانتخابات بأنها مع أو ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكثر مما هي حول أي قضية أخرى. ولاحظ آخرون أن استمرار بقاء نتنياهو على رأس الحكم يعني استمرار النهج اليميني الكهاني الذي قد يفتت إسرائيل من الداخل، وأن اسقاطه يحمل الخلاص لإسرائيل. ولكن بين هذا الموقف وذاك، تبرز أسئلة جوهرية فائقة الأهمية تدور حول معاني فوز نتنياهو وبقائه في الحكم والتغييرات المحتمل حدوثها إذا سقط نتنياهو واليمين الكهاني. وهنا تبرز صورة تبين أنه تقريباً لا خلاف جوهري بين السياسة التي اتبعها نتنياهو وتلك التي يتطلع إليها أغلبية خصومه. وربما أن الوحيد بين خصوم نتنياهو الصهاينة الذي يحمل برنامجاً مغايراً هو زعيم حزب الديمقراطيين، الجنرال يائير غولان. أما المنافسون الأوائل لنتنياهو، الجنرال غادي آيزنكوت ونفتالي بينت وأفيغدور ليبرمان فإنهم يحملون برنامج نتنياهو ناقص درجة أو درجتين لا أكثر. وربما لهذا السبب نجد أن الصراع بين معسكري مع وضد نتنياهو متكافئ ولا يحسمه سوى الكتلة العربية التي يتسابق المعسكران بأغلبيتهما على التنصل من الاستعداد للتحالف معها. وهذا ربما ما سيقود إلى تكرار ظاهرة إعادة الانتخابات على أمل حسمها أو الاضطرار إلى تشكيل ائتلافات تحاصصية بين مكونات مركزية في المعسكرين. على كل حال، هناك أهمية كبيرة لاستطلاع نشرته صحيفة "معاريف" حول الاتجاهات الدينية للجمهور الإسرائيلي بمناسبة عيد الغفران اليهودي الذي حلّ قبل أيام قليلة. وتكمن أهمية الاستطلاع في حقيقة إظهاره أثر الدين على الجمهور من ناحية، خصوصاً إذا تم ربطه أيضاً بما يعرف بظاهرة الانزياح اليميني في إسرائيل. فالانزياح في ظل الصهيونية تعاظم بشكل أساسي في الأوساط الدينية التي نمت فيها بشكل كبير ظاهرة تعرف بالصهيونية الدينية. ولا أدلّ على ذلك مثلاً من رفض ما كان يُعرف بالحل الإقليمي للصراع على أساس دولتين لشعبين، ورفض مبدأ "الأمر الواقع" القائم في الحرم القدسي الشريف. ومن مبدأ تحريم الصلاة في الحرم القدسي دينياً واعتبار ذلك تدنيساً للحرم، إلى الاقتحامات اليومية والمطالبة بهدم المسجد الأقصى و"إعادة بناء الهيكل". ويظهر استطلاع "معاريف" أن 62% من الإسرائيليين يعتزمون صيام يوم الغفران بشكل كامل وأن 5% يعتزمون الصيام الجزئي. والأهم أن ثلث الإسرائيليين الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم علمانيون يعتزمون الصيام، إما كلياً (29%) أو جزئياً (5%). تجدر الإشارة إلى أن صيام يوم الغفران يستمر تقريباً 26 ساعة، ويبدأ من ما قبل مغيب شمس اليوم السابق وحتى ما بعد مغيب شمس يوم الغفران وظهور ثلاث نجوم في السماء. ويُحظر على اليهود فيه تناول الطعام والشراب، كما يُحظر فيه الاغتسال والاستحمام، وتُحظر فيه ممارسة العلاقة الزوجية والتزين. ويبيّن الاستطلاع أن ما لا يقل عن ثلثي اليهود في إسرائيل يرون أنفسهم متدينين أو ملتزمين دينياً بشكل أو بآخر ضمن التصنيفات المختلفة التي تميز ما بين المتدينين: الحريديم والمتدينيين الصهاينة والتقليديين في مقابل العلمانيين الذين صار ثلثهم متديناً أيضاً. وفي تشخيص دقيق للانزياح اليميني الذي طال كل التيارات الصهيونية تقريباً، يكتب دان بيري في "معاريف"، أنه "بهدوء تام ولكن بثبات، يتحول اليمين الإسرائيلي إلى كتلة دينية، يزداد نزعةً مسيحانيةً وعداءً لمبادئ الليبرالية الكلاسيكية - سيادة القانون والحقوق المدنية - التي قامت عليها إسرائيل". ويربط بيري بين انشقاق أرييل شارون، أحد مؤسسي مشروع الاستيطان وأحد أبرز رموزه، من حزب الليكود وتأسيسه حزب كاديما، وانتقال تسيبي ليفني وإيهود أولمرت من الليكود لقيادة الوسط السياسي. وكذلك انتقال موشيه يعالون من منصب وزير دفاع الليكود إلى منافسةٍ شرسة مع بنيامين نتنياهو. وغدا أفيغدور ليبرمان وهو من رجالات نتنياهو السابقين، عدواً لدوداً للمشروع السياسي الديني. واعتبر أن هؤلاء يشيرون إلى هجرة سياسيةً كبيرة. فاليمين الإسرائيلي الذي شكّلهم كان في معظمه علمانياً وقومياً وطائفياً. يتزايد تدين اليمين الإسرائيلي الذي يحلً محله، ويتجه نحو النزعة المسيحانية. ويلاحظ بيري أن العامل الرئيس "هو التغير الديموغرافي. فالإسرائيليون الحريديم، في المتوسط، لديهم عدد أكبر بكثير من الأطفال مقارنةً بالإسرائيليين العلمانيي